نهاية التحالف بين “تشيسكيدي” و”كابيلا”

كانت التنبؤات بعد انتخابات 30 ديسمبر 2018م في جمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير سابقًا) تشير إلى أن تحالف الفائز”فيليكس تشيسكيدي” مع سلفه “جوزيف كابيلا”, الذي حكم البلاد لمدة 18 عامًا, لن يدوم طويلاً.

وقد تحقّقت هذه التنبؤات؛ حيث أعلن “تشيسكيدي” يوم الأحد الماضي (6 ديسمبر 2020م) تركه لهذا التحالف، وسعيه وراء تشكيل ائتلاف جديد وحكومة جديدة، وأبدَى استعداده لحلّ البرلمان وإجراء انتخابات جديدة في حال فشله في تشكيل الائتلاف.

وإذا كان مؤيدو الرئيس “تشيسكيدي” وحزبه “التوجُّه نحو التغيير” (CACH) يرون أن تحالفهم مع حزب “الجبهة المشتركة للكونغو” (FCC) الذي يؤيد الرئيس السابق “كابيلا”، ويتمتع حاليًا بأغلبية في البرلمان, يُعرقل تنفيذ سياساتهم وبرامجهم، وأنه لا مناص أمامهم من حلّه؛ فإنَّ المراقبين يرون أن الرئيس “تشيسكيدي” نفسه كان من المستفيدين من نفوذ “كابيلا”، وخاصةً إبَّان الانتخابات الأخيرة التي تأخرت نتائجها، ويذهب الكثيرون إلى كونها مزوّرةً مِن قِبَل حكومة “كابيلا” لصالح “تشيسكيدي”, بالرغم من أنه كان أول انتقال سِلْميّ في البلاد منذ الاستقلال عن بلجيكا في عام 1960م.

عرقلة جهود “تشيسكيدي”:

اشترك ليصلك جديد الأفارقة

لقد أدَّت قلة عدد أعضاء حزب الرئيس “تشيسكيدي” في البرلمان إلى احتياجه للتحالف مع “الجبهة المشتركة للكونغو” (FCC)، من أجل تشكيل أغلبية برلمانية. ولكنَّ هذه الخطوة جاءت على ظهر تنازلات “تشيسكيدي” عن بعض سياساته وإخفاقاته في تنفيذ ما تعهَّد به للكونغوليين من إصلاحات؛ حيث كان يتحاشى الصدام مع “كابيلا” منذ استلامه للسلطة في يناير 2019م, بل ويناوره حتى عندما كان في أمسّ الحاجة إلى القيام بمهامه القيادية والرئاسية. وقد اضطرَّ إلى التقرُّب إلى سفراء الوكالات الدولية والتكتلات الإقليمية، بما فيها الاتحاد الأوروبي، مع تعزيز مصداقيته الدبلوماسية في عام 2019م, وذلك في محاولة للوصول إلى خطوط مالية خالية من قيود الموالين لـ”كابيلا” في البرلمان والحكومة.

وإذا كان وباء كورونا المستجدّ يفاقم الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها الكونغو الديمقراطية، وحاجة الحكومة لموارد لتمويل برامجها؛ فإن الرئيس “تشيسكيدي” لا يملك أيَّ سيطرة على مصادر الدخل الرئيسية للبلاد؛ إذ ظلت الشركات الحكومية الرئيسية التي تدير المناجم وقطاع الزراعة في أيدي مؤيدي الرئيس السابق “جوزيف كابيلا”. بل وغالبًا ما تكون الصراعات داخل التحالف منذ عام 2018م حول عائدات التعدين وقوات الأمن, وخاصةً بعدما وافق صندوق النقد الدولي على صرف قرض للكونغو بقيمة 368 مليون دولار؛ بشرط إجراء إصلاح شامل يؤثّر في إدارة الإيرادات والهياكل التجارية الحكومية التي ورثها “تشيسكيدي” من “كابيلا”.

والجدير بالذكر أن الرئيس “تشيسكيدي” حصل في أبريل 2019م على تأييد مشروط من الولايات المتحدة مفاده أن واشنطن مستعدَّة لدعم الكونغو الديمقراطية ماليًّا ودبلوماسيًّا إذا قوَّضت حكومة “تشيسكيدي” الفساد المستشري في البلاد وسيطرة “كابيلا” على المناجم والجيش.

وقد صعَّدَت الولايات المتحدة عقوباتها على مقرَّبين من “كابيلا”, كما قضت المحكمة في البلاد في 20 يونيو 2020م على “فيتال كاميرهي” رئيس الأركان السابق لـ “تشيسكيدي”, بالسجن لمدة 20 عامًا على تهمة تحويل مبالغ من برنامج الاستثمار الحكومي.

من جانب آخر؛ أثبت إعلان الرئيس “تشيسكيدي” الأخير عن خروجه من التحالف؛ أنه قد أدرك أن مناوراته الدبلوماسية وتفادي الصدام مع “كابيلا” يخلق فراغًا في مهامه، ويخيّب توقُّعات مؤيديه, ويفيد بيانه التلفزيوني بأنه مستعدّ لإنشاء برنامجه السياسي الخاص وتجنّب نظام المحسوبية الذي وجد نفسه فيه، وأعاق حُكمه حتى عندما عيَّن شريكه في التحالف “فيتال كاميرهي” رئيسًا للوزراء؛ حيث رفض البرلمان (الذي يسيطر عليه حزب كابيلا) دعم هذا التعيين، واضطرّ في مايو 2019م إلى إبرام اتفاق مع حزب “كابيلا” لتعيين “سيلفستر إيلونغا” رئيسًا جديدًا للوزراء مع استمرار المفاوضات التي انتهت في يوليو 2019م بتشكيل حكومة جديدة.

يُضاف إلى ما سبق أن محاولات السيطرة على القضاء وسَّعت الفجوة بين “تشيسكيدي” و”كابيلا”؛ فالإجراءات الجديدة في وزارة القضاء بقيادة وزير العدل “سيلستين توندا يا كاسيندي”، وهو حليف مقرَّب لـ “كابيلا”؛ تمنح الوزير حقّ النقض (الفيتو) على مساعي الملاحقات القضائية لانتهاكات حقوق الإنسان والفساد. وقد قُبِضَ على “سيلستين توندا” في أواخر يونيو 2020م واستقال من منصب وزير العدل في منتصف يوليو 2020م.

ويرى منتقدو الرئيس “تشيسكيدي” أنه أصبح لا يُمثِّل إرث والده الزعيم “إتيان تشيسكيدي” الذي شغل منصب رئيس وزراء الكونغو الديمقراطية ثلاث مرات، وكان زعيم المعارضة في عهد “موبوتو سيسي سيكو”. إذ كان موقف المنتقدين أن “تشيسكيدي” يقدّم منذ عامين تنازلات للحفاظ على التحالف الذي يعارض خطواته وبرامجه للبلاد. بل وشهدت البلاد مظاهرات عارمة في يوليو 2020م على تعيين أنصار “كابيلا” في البرلمان حليفَهم “رونسارد مالوندا” رئيسًا لـ “الجنة الانتخابية الوطنية المستقلة” (CENI), وهي خُطوة رفضتها أحزاب المعارضة بشدة بسبب اتهامها له بالمشاركة في تزوير كل الانتخابات التي أُجرِيت في البلاد منذ عام 2006م.

“هذه المشاورات (وقرار مغادرة التحالف) تُسلّط الضوء أيضًا على رفض الأغلبية الساحقة للتحالف بين الجبهة المشتركة من أجل الكونغو وقيادة التغيير”؛ هكذا قال الرئيس “تشيسكيدي” في إعلانه في التلفزيون الوطني يوم الأحد الماضي. ويعضد هذا البيان أيضًا إعلان أنصار “كابيلا” الخروج من تحالفهم مع “تشيسكيدي” وحكومته؛ لأنه يخالف الاتفاق المؤسِّس للتحالف.

نفوذ “كابيلا” بعد حلّ التحالف:

أشار الرئيس “تشيسكيدي” في إعلان الأحد الماضي إلى أنه قد قرّر تعيين مسؤول خبير ليتولَّى عملية “تشكيل ائتلاف جديد يضم أغلبية مطلقة من أعضاء مجلس الأمة”, وأنه إذا تعذّر ذلك، “سأستخدم الصلاحيات الدستورية التي أمتلكها لأعود إليكم أيها الشعب ذي السيادة، وأطلب الأغلبية”.

على أنّ هناك محلّلين سياسيين يشكُّون في احتمالية حصول الرئيس “تشيسكيدي” على ائتلاف يشكّل الأغلبية الساحقة؛ نظرًا لطبيعة المقاعد الحالية في البرلمان؛ فكلّ مَن “مارتن فايولو” – الذي يُعدّ لدى الكثيرين الفائز الشرعي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة – و”مويس كاتومبي” -حاكم كاتانغا السابق- والمعارضين الذين انفصل عنهم “تشيسكيدي” في الفترة التي سبقت الانتخابات الأخيرة يسعون إلى استقلالية حزبهم واستقطاب بعض مؤيدي “كابيلا” إلى جانبهم.

وفي حال قبول “مارتن فايولو” و”مويس كاتومبي” التعاون مع الرئيس “تشيسكيدي”؛ فإنه يصعب تشكيل تحالف يغلب على “كابيلا”؛ نظرًا لكثرة عددهم في الجمعية الوطنية. فوفقًا لنتائج الانتخابات الصادرة من لجنة الانتخابات المستقلة؛ فقد فاز حزب “تشيسكيدي” بنحو 10٪ فقط من 500 مقعد في الجمعية الوطنية, وفازت أحزاب المعارضة الأخرى بـ100 مقعدًا أخرى, بينما يسيطر حزب “كابيلا” على 340 مقعدًا.

وإذا كان الموقف السائد هو أنه حتى لو تمكّن “تشيسكيدي” من تشكيل تحالف جديد وتقليل سلطة “كابيلا” وأنه ما زال بعيدًا عن تقليم أظافيره بسبب نفوذ الأخير على المجالات المالية والأمنية وفقدان “تشيسكيدي” السيطرة على الميليشيات التي تقاتل على مناجم الذهب ومعادن أخرى في المقاطعات الشرقية؛ فإنَّ خطوات “تشيسكيدي” وإعلان الأحد يعطي انطباعًا بأنه ينوي تصحيح أخطاء العامين الماضيين وخوض المعركة السياسية من أبوابها الواسعة.

ـــــــــــــــ

*نشر الكاتب المقال أيضا في دورية قراءات إفريقية.

مدير الأفارقة للدراسات والاستشارات.
وباحث نيجيري مهتم بالتحولات الاجتماعية والسياسية والقضايا التعليمية التنموية في إفريقيا؛ حاصل على دكتوراه في الأصول الاجتماعية والقيادة التعليمية.

مواد ذات صلة