معضلة التوريث السياسي في أفريقيا

كانت إحدى النقاط التي يثيرها منتقدو أنظمة الحكم الأصلي (أو التقليدي) ومعارضو الزعامة “التقليدية” في الدول الأفريقية بين خمسينات وسبعينات القرن الماضي؛ أن الأنظمة السياسية “التقليدية” تفضي إلى الاستبداد, وأن توريث الحكم والنظام الملكي لا يناسبان التنوع الثقافي والتطورات التي تتميز بها الدول الحديثة.

ومع ذلك, أثبتت تجارب أربعة عقود فأكثر في القارة أن عددا من قادة الدول الأفريقية قد وقعوا في التُّهم التي وجّهوها إلى أنظمة الحكم الأصلي (التقليدي), وأن معظم الإنجازات والمواقف الإيجابية تجاه حكوماتهم المنتخبة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بتحقيق قدر أكبر من الدمج بين المنتخبين وبين زعماء المؤسسات الأصلية (التقليدية) الذين لا يزالون يلعبون دور الممثلين الحقيقيين لشعوبهم ولا يزالون يملكون نسبة لا بأس بها من الاحترام والشرعية لدى مجتمعاتهم.

بل وتؤكد تجارب الديمقراطية الأفريقية في العقود الثلاث الماضية أن بإمكان القادة في أنظمة الحكم الحديثة تطويق النظام – أيّا كان – لصالح أجنداتهم الخاصة؛ فالميول في بعض الدول كانت إلى حكم الشيوخ والسلطوية, وفي بعضها الآخر كان الاتجاه نحو توريث السلطة ونقل الحكم إلى أفراد العائلة بتواطئ المؤسسات السياسية والعسكرية والنخبة الحاكمة – رغم ادعاء تطبيق الديمقراطية, كالتي حدثت في الغابون في عام 2009 والكونغو الديمقراطية في عام 2001 وتوغو في عام 2005.

وإذا كانت التهئية لحلقات أخرى من التوريث السياسي تجري حاليا في كل من غينيا الاستوائية وجمهورية الكونغو وأوغندا, إلا أن أزمة تشاد الجارية تكفي خير دليل على على أحد أنماط توريث السلطة؛ إذ خطف الجيش حكم البلاد وانقلب على الدستور بتعيين “محمد ديبي” رئيسًا لتشاد من خلال رئاسته للمجلس العسكري الانتقالي بعد رحيل والده الرئيس “إدريس ديبي إيتنو”.

اشترك ليصلك جديد الأفارقة

وفاة الرؤساء وإدارة المرحلة الانتقالية

إن قضية توريث السلطة وانتقال الحكم بين أفراد عائلة معينة ليستْ حالة خاصة بالدول الأفريقية, وتجارب العقود الخمسة الماضية أثبتت أن التوريث التلقائي للأبناء أو أفراد العائلة ليس الأساس للتغيير السياسي بأفريقيا حتى عند وفاة الأب أو الأخ الحاكم, وذلك لأن القارة قد شهدت أكثر من 40 حالة وفاة لرؤساء الدول في منصبهم، ولم يخلفهم أبناؤهم إلا في أربع حالات فقط. ولعل ما عزز التقدم في هذا المجال أن العديد من الدول الأفريقية أصبحت لها أحكام دستورية للتعامل مع حالة وفاة الرئيس.

ويُلاحظ احترام هذه الأحكام الدستورية في عدة دول أفريقية بتسليم السلطة لمن ينصّ عليه الدستور. ومن التجارب الحديثة في هذا المجال: أن تولّت نائبة الرئيس “سامية حسن صولحو” رئاسة تنزانيا في 19 مارس 2021 بعد وفاة الرئيس “جون ماغوفولي”؛ وفي زامبيا عُيِّن “غاي سكوت” رئيسًا بالنيابة عند وفاة الرئيس “مايكل ساتا” في 28 أكتوبر 2014؛ وفي نيجيريا أدى الرئيس بالنيابة “غودلاك جوناثان” اليمين الدستوري كرئيس البلاد في مايو 2010 بعد وفاة الرئيس “عمر موسى يَرْأَدُأَ”؛ وفي غانا تولّى “جون ماهاما” منصب رئيس الدولة في 24 يوليو 2012 بعد وفاة سلفه الرئيس “جون أتا ميلز”.

يضاف إلى ما سبق أيضا أنه في 20 أغسطس 2012 عُيِّن نائب رئيس الوزراء “هايلي مريام ديسالين” كرئيس للوزراء بالإنابة في إثيوببيا بعد وفاة الزعيم “ميليس زيناوي”, بل وأصبح “هايلي مريام” رئيس الوزراء الدائم في 21 سبتمبر 2012.

وعليه, يمكن القول بأن أفريقيا نجحت في التعامل مع حالات وفاة الرؤساء وأن المرحلة الانتقالية بعد وفاتهم غالبا ما تسير بطريقة سلسة ودستورية, اللهم باستثناء تشاد التي فضّلت مؤسستها العسكرية تجاهل ما ينصّ عليه الدستور مما يزيد في تعقيد الأزمة الجارية في البلاد.

توريث السلطة في أفريقيا وأنماطها

لاحظتْ الاقتصادية الكاميرونية “فيرا سونغوي” أن جل الدول الأفريقية رغم أنها لا تطبق نظام الملكية السياسية (كما هو الحال في المغرب وليسوتو), إلا أن عددا منها شهدت أنماطا مختلفة لتوريث السلطة. وهذه الأنماط يمكن تصنيفها كالتالي:

أ- خلافة فورية:

وقعت ببعض دول جنوب صحراء القارة خلافة فورية وانتقال مباشر للسلطة إلى نجل رئيس الدولة بعد وفاة والده – ليمتدّ حكم عائلة واحدة للبلاد؛ ففي توغو نُصب “فور غناسينغبي” رئيسًا بدعم الجيش فور وفاة والده الرئيس “إياديما” في عام 2005، وما زال يواصل الابن حكم البلاد لتكون عائلته في نهاية عام 2020 قد حكمت توغو لمدة 53 عاما منذ استقلالها في عام 1960. وحدث في الغابون سيناريو مماثل, حيث تولى “علي بونغو” حكم البلاد منذ رحيل والده “عمر بونغو” رئيس الغابون من عام 1967 حتى وفاته في عام عام 2009, لتكون عائلة “بونغو” بحلول عام 2020 قد حكمت الغابون لمدة 53 عاما منذ استقلالها في عام 1960م.

أما في جمهورية الكونغو الديمقراطية, فقد أطاح الزعيم الثوري “لوران ديزيريه كابيلا” بـ “موبوتو سيسي سيكو”, وتولى “كابيلا” منصب الرئيس الثالث للبلاد من 17 مايو 1997 إلى حين اغتياله في 16 يناير 2001, ليخلفه بعد ثمانية أيام من مقتله ابنُه “جوزيف” البالغ من العمر 29 عامًا وقتذاك وحكم البلاد حتى يناير 2019.

ويقع تحت الخلافة الفورية أيضا تولي “محمد إدريس إتنو” رئاسة تشاد بدعم من الجيش بعد مقتل والده “إدريس ديبي” الذي وصل إلى السلطة عبر قيادة التمرد ضد الرئيس “حسين حبري” في ديسمبر 1990. وقد فاز “إدريس ديبي” في انتخابات 1996 و 2001، وألغى تحديد المدة الرئاسية ليفوز في انتخابات 2006 و 2011 و 2016 و 2021. بل لم يفصله عن الكرسي الرئاسي سوى مصرعه بعد اشتباكات مع متمردين من شمال تشاد بعد ساعات فقط من الإعلان الرسمي بفوزه في رئاسيات أبريل 2021.

ب- خلافة غير فورية:

لقد وصل أبناءٌ لزعماء استقلال (أول رئيس للدولة أو رئيس وزراء بعد الاستقلال) في ثلاث دول أفريقية مختلفة (بوتسوانا و كينيا وموريشيوس) إلى السلطة بعد عقدٍ فأكثر من حكم آبائهم, وذلك عبر انتخابات سلمية نسبيًّا وفي ظل دساتير مستقرة.

ففي بوتسوانا بين 2008 و2018 حكم “إيان خاما” – الابن الثاني لـ “سيريتسي خاما” زعيم استقلال بوتسوانا وأول رئيسها من 1966 إلى 1980؛ وفي عام 2013 انتُخِب “أوهورو كينياتا” الرئيس الرابع والحالي لكينيا – وهو نجل الزعيم “جومو كينياتا” الأب المؤسس لكينيا وأول رئيس لجمهورية كينيا من 1964 و1978؛ وفي جزيرة موريشيوس وصل ” نافين رامغولام” إلى السلطة في عام 1995 – وهو نجل الزعيم “سيووساغور رامغولام” الذي شغل منصب أول رئيس للبلاد ورئيس وزرائها وحاكمها العام (من 1968 إلى 1982).

ج- تداول السلطة بين الإخوة:

يمكن ملاحظة هذا النمط في حالة ملاوي في عام 2014 عندما انتُخِب “بيتر موثاريكا” رئيسًا للبلاد بعد سنتين من وفاة شقيقه الرئيس “بينغو وا موثاريكا” الذي حَكَم ملاوي من مايو 2004 حتى 5 أبريل 2012.

تهيئة الأبناء للخلافة

 يمكن ملاحظ النماذج الحيّة حول تهيئة الآباء الرؤساء لأبنائهم كي يتسلموا زمام السلطة من بعدهم في كل من جمهورية الكونغو (كونغو-برازافيل) وغينيا الاستوائية والكاميرون وأوغندا.

ففي جمهورية الكونغو بدأ المواطنون يعتادون الحديث حول احتمال توريث الحكم, إذ الرئيس “دينيس ساسو نغيسو” الذي يحكم البلاد منذ عام 1979 – مع فجوة قصيرة في أوائل التسعينيات – عيّن مؤخرا نجلَه “دينيس كريستل” ضمن حكومته الجديدة بعد فوزه بفترة ولاية خامسة في رئاسيات مارس 2021. وبهذا التعيين يترأس “دينيس كريستل” البالغ من العمر 46 عامًا الوزارة الجديدة التي أنشِئتْ حديثًا رغم الاتهامات والتحقيقات الجارية بشأن اختلاسه لملايين الدولارات من الجمعية الوطنية للبترول, وفي ظل التوقعات من أن تُبقِي التغييرات الدستورية والدَه البالغ من العمر 77 عامًا على رأس السلطة حتى عام 2031.

وفي غينيا الاستوائية، كان الرأي السائد أن “تيودورين نغويما أوبيانغ” – الذي يواجه تحقيقات ومحاكمات دولية حول الفساد وغسيل الأموال – سيكون خليفة والده الرئيس “تيودورو أوبيانغ نغويما” الذي يحكم البلاد منذ عام 1979 ويعدّ احد أطول رؤساء إفريقيا حُكما. وعزّز الشعور بمساعي التوريث أيضا خطوات والده الرئيس في ترقية ابنه منذ قرابة عقدٍ, حيث شغل ابنه منصب وزير الزراعة والغابات لسنوات ثم عَيّنه في مايو 2012 نائباً ثانياً له ليكون مسؤولاً عن الدفاع والأمن, وفي عام 2016 تمت ترقيته إلى منصب نائب الرئيس الأوّل.

وفي الكاميرون ظهر في الساحة السياسية مؤخرا “فرانك” الابن الأكبر للرئيس “بول بيا” الذي يحكم البلاد منذ عام 1975 (كرئيس الوزراء ثم رئيس البلاد) ويقرر أن تنتهي ولايته الرئاسية الجارية في عام 2025. وقد عززت التكهنات بأن “فرنك” ربما يستعدّ لخلافة والده بعد مساعيه في الشهور الأخيرة لكسب الدعم لحزبه السياسي.

“مشروع موهوزي” في أوغندا

إن بعض الإجراءات التي تتخذها الرئيس “يويري موسيفيني” تؤشر على أنّه يخطط لنقل السلطة إلى شخص من عائلته, ويرجّح الكثيرون أن يكون ذلك الشخص نجله الجنرال “موهوزي كاينيروغابا” الذي سيبلغ من العمر 51 عامًا بحلول انتخابات عام 2026 عندما تنتهي الولاية الجديدة والجارية لوالده “موسيفيني” والذي بدوره سيكون قد قضى أكثر من 40 عامًا في قيادة أوغندا. ولذلك تُعرف خطوات الرئيس “موسيفيني” لتوريث السلطة لنجله بـ “مشروع موهوزي”.

وقد فطن الرئيس “موسيفيني” إلى ترسيخ قدمي نجله “موهوزي” في المؤسسة العسكرية؛ إذ كون ابنه أحد قادة الجيش الأوغندي يمنحه فرصة التغلب على عناصر من الجيش كلما اندلعت أخبار محاولة انقلابية على والده. كما أن كونه ضمن المؤسسة العسكرية يمنحه فرصة الحصول على دعم المؤسسة العسكرية أو مواجهة تحديات الانقسام بين الجنرالات حيال تسلّمه للسلطة بعد والده.

ومن المثير في حالة أوغندا أن “الملكية الساسية” و “مشروع موهوزي” أصبحا من المصطلحات الأكثر شيوعا في النقاشات السياسية بالبلاد؛ ففي عام 2013 هرب الجنرال المنشق “ديفيد سيجوسا تينيفوزا” إلى المملكة المتحدة بعد كشفه عن وجود خطة باسم “مشروع موهوزي”, وحذّر من أن معارضي الخطة يواجهون خطر اعتقال أو اغتيال.

وإذا كان الجيش الأوغندي قد نفى وجود أي خطة باسم “مشروع موهوزي” بحجة أن “أوغندا ليست ملكية تنتقل فيها القيادة من الأب إلى الابن”, فإن الصعود السريع لـ “موهوزي كينيروغابا” في الرتب واستمرار ترقيته منذ انضمامه إلى الجيش في عام 1998 يرجحان كفة تكهنات توريث السلطة؛ ففي عام 2001 تخطّى “موهوزي” رتبتين في الجيش وقفز من ملازم ثانٍ إلى رائد؛ وفي عام 2008 عُيِّن رئيسًا لوحدة القوات الخاصة؛ وتولى في عام 2010 قيادة الحرس الرئاسي الخاص. وفي سبتمبر 2011 تمت ترقيته إلى رتبة عقيد, ثم عميد في أغسطس 2012 وقائد القوات الخاصة بعد انتهائه من برنامج الأمن القومي التنفيذي بكلية الدفاع الوطني بجنوب إفريقيا. وكقائد قيادة القوات الخاصة, كان يتحكم في الكتيبة التي يبلغ قوامها 10,000 فرد – وهي الكتيبة نفسها التي نُشِرتْ لقمع المظاهرات وردع مؤيدي المعارض “بوبي واين” الذي نافس الرئيس “موسيفيني” في الانتخابات الأخيرة.

بل عيّن الرئيس “موسيفيني” نجله “موهوزي” في عام 2017 مستشارًا رئاسيًا أولًا للمهام الخاصة، وهو المنصب الذي شغله حتى ديسمبر من عام 2020. وتمت ترقيته أيضا في عام 2019 إلى رتبة فريق, بينما تشغل “جانيت” والدته (وزوجة الرئيس موسيفيني) منصب وزيرة للتربية والرياضة منذ 6 يونيو 2016.

جدير بالذكر أن الرئيس “موسيفيني” قد كرّر مرارا أن قضية وصول نجله “موهوزي” إلى السلطة بيد الشعب الأوغندي, و “نَصَح” نجله في مقابلة إعلامية في عام 2013 بأن يتبع الإجراءات المنصوص عليها في الدستور إذا كان مهتمًا بالرئاسة – في إشارة لما ينص عليه دستور أوغندا لعام 1995 حول وجوب انتخاب رئيس أوغندا من قبل المواطنين في تصويت شعبي بموجب حق الاقتراع العام للبالغين.

 وقد أرجع البعض أيضا محاولات الشهور الأخيرة لتعزيز شعبية “موهوزي” والترويج له على وسائل التواصل الاجتماعي في أوغندا إلى “مشروع موهوزي”. وكانت آخر هذه المحاولات في يوم 24 من أبريل 2021 عندما بلغ “موهوزي” من العمر 47 عاما وانتشر وسم احتفالٍ بعيد ميلاده لمدة يومين رافقتْه تمنيات ورسائل بصيغٍ مختلفة – مثل “رئيسي القادم في 2026” و “مشروع موهوزي” (#MuhooziProject) و “موهوزي كينيروغابا 2026”.

خاتمة

 لا يمكن القول بأن حالات التوريث السياسي – وتداول السلطة الرئاسية بين أفراد العائلة الواحدة – خاصة بأفريقيا لأن هناك نماذج مختلفة من جميع أنحاء العالم بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية (مثل عائلتَي جورج بوش). كما أن السلالات السياسية العائلية لم يكن بعدُ عادةً تُمارَس في معظم دول القارة. ومع ذلك، فإن النماذج الأفريقية سابقة الذكر وإجراءات تهيئة الأبناء للسطلة ببعض الدول؛ كلها تؤدي إلى القول بضرورة وضع عمليات دستورية واضحة حول الخلافة وإجراء انتخابات شفافة يمكن التنافس عليها بحرية من قبل الجميع, وذلك لتفادي الصراعات والمشاكل التي قد تخلقها العمليات غير الدستورية وسيطرة الأبناء على السلطة بعد انتهاء فترات رئاسة آبائهم أو بعد وفاتهم.

مدير الأفارقة للدراسات والاستشارات.
وباحث نيجيري مهتم بالتحولات الاجتماعية والسياسية والقضايا التعليمية التنموية في إفريقيا؛ حاصل على دكتوراه في الأصول الاجتماعية والقيادة التعليمية.

مواد ذات صلة