
لعبة بالغة المخاطر: خطوة أفريقيا الجريئة نحو اعتماد الطاقة النووية
تتمتع أفريقيا بكمية كبيرة من ثروة موارد الطاقة، لكنها مع وفرة هذه الثروة، لا تزال قارةً فقيرةً. وقد أدّت إمكاناتُ التصنيع في القاة، والنموّ السكاني السريع إلى زيادةٍ كبيرةٍ في درجة احتياجات الكهرباء. ولن يتحقق النموّ الاقتصاديّ والتنمية المستدامة وتحسين رفاهية المواطنين دون حلّ مشكلة عجز الطاقة. ومع ذلك، فقد سجلت القدرة النووية وجودا ثابتا في أفريقيا، حيث تقع محطة الطاقة النووية الوحيدة العاملة في القارة في جنوب أفريقيا.
تبدو آفاقُ استخدام الطاقة النووية في دولٍ أفريقيةٍ أخرى واعدةً، حيث تُخطّط الحكوماتُ الأفريقية لإدراج الطاقة النووية في مزيج الطاقة لديها. فدولة مصر تُشيّد حاليًا منشأةً لمحطة الطاقة النووية بأربع وحدات، ومن المُتوقع تشغيل الوحدة الأولى في عام 2028. وقد أبدت العديد من الدول اهتمامها في السنوات الأخيرة بتطوير الطاقة النووية لتوليد الكهرباء وتحلية المياه، منها الجزائر، وغانا، وكينيا، والمغرب، وناميبيا، والنيجر، ونيجيريا، ورواندا، والسنغال، وتونس، وأوغندا، وجمهورية تنزانيا المتحدة، وزامبيا. ومن المتوقع أن يزداد الطلب على اليورانيوم في القارة خلال العقد المقبل.
وعادةً ما تصل قدرة المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة (SMRs) إلى 300 ميجاوات (كهرباء) لكل وحدة، ويمكن تصنيعها في الورش ونقلها كوحدات لتجميعها في الموقع. وتعتمد هذه المفاعلات على مجموعة متنوعة من التقنيات، بدءًا من المفاعلات المُبرّدة بالماء المُجرّبة، وصولًا إلى المفاعلات الأكثر ابتكارًا المُبرّدة بالمعادن أو الغاز أو الملح المُنصهر، كما تستخدم بعض المفاعلات غير المُبرّدة بالماء نيوترونات سريعة.
ولقد صرح رئيس المجموعة التجارية العالمية الرئيسية في هذا القطاع في مقابلة، أن دولتي غانا ورواندا تقودان سباق نشر أول مفاعلات نووية معيارية صغيرة في أفريقيا. في حين أن جنوب أفريقيا هي الدولة الأفريقية الوحيدة التي تمتلك محطات طاقة نووية خاصة بها، وتقوم مصر ببناء مفاعلاتها الخاصة، مع أن كلتيهما تمتلكان مرافق تقليدية واسعة النطاق.
ومع ذلك، يشكك الخبراء في جدوى بناء محطات طاقة نووية في أفريقيا. ومن قبيل ذلك ما قاله مايكل شنايدر، منسق المشروع في تقرير حالة الصناعة النووية العالمية (WNISR)عن هذا الأمر : “هناك الكثير من الحديث عن البرامج النووية في أفريقيا، لكن هذه الأفكار أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع الصناعي”. وأضاف قائلا لإذاعة فرنسا الدولية أن العقبة الرئيسية الأولى هي حجم الشبكات. علاوة على ذلك، تُشير الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى أن القدرة المتوسطة للمفاعل النووي الكبير تبلغ حوالي 1000 ميغاواط أو جيجاواط واحد. وتمتلك أربع دول أفريقية فقط شبكات أكبر من 10000 ميغاواط أو 10 جيجاواط، وهي الجزائر وليبيا والمغرب ونيجيريا. أما معظم الدول الأفريقية الأخرى، فلديها شبكات أصغر بكثير.
تبني الطاقة النووية من أجل التحوّل
يُسهم النمو السكاني السريع والتوسع العمراني والتنمية الاقتصادية في زيادة الطلب على الطاقة في القارة الأفريقية مستقبلًا. وتقف تحديات متعددة ومتشابكة أمام تطوير قطاع الطاقة لتلبية هذا الطلب المتزايد. ولا يزال الحصول على الكهرباء يُمثل تحديًا كبيرًا، حيث يفتقر ملايين الأشخاص إلى إمدادات كهربائية موثوقة. ويُعدّ توسيع نطاق الحصول على الكهرباء مع ضمان الاستدامة أمرًا مُعقّدًا، لا سيما مع سعي الدول إلى موازنة متطلبات قطاع الطاقة مع أولويات أخرى مُتنافسة.
قد يكون إنشاء محطات الطاقة النووية وسيلة فعّالة لحل مشكلة نقص الطاقة، إذ الطاقة النووية لا تُساعد فقط في سد عجز الكهرباء في الدول الأفريقية، بل تُسهم أيضًا في الانتقال السلس من محطات الطاقة التي تعمل بالوقود الأحفوري المُلوّثة للبيئة إلى التقنيات الخالية من الكربون. وهناك استخدامات ثانوية للطاقة النووية، مثل محطات تحلية المياه، وتسخين العمليات، أو الاستخدامات الصناعية (التعدين، وإنتاج الهيدروجين).
و مؤخرًا، قامت الوكالة الدولية للطاقة الذرية والبنك الدولي برفع أو تخفيف بعض العوائق أمام تمويل الطاقة النووية في الدول النامية، بما فيها المساعدة في توفير الخبرات، والأطر القانونية والتنظيمية، وتسريع وتيرة إنشاء المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة. ويشارك موردون وبائعون خارجيون، مثل شركة روساتوم الروسية، وشركات صينية، وغيرها، بشكل كبير في تقديم تقنيات المفاعلات والقروض والشراكات.
على سبيل المثال، تُعد محطة كويـــبرغ للطاقة، في شمال كيب تاون، محطة الطاقة النووية التجارية الوحيدة في أفريقيا حاليًا، وتساهم وحدتاها بحوالي 1860 ميجاوات، أي ما يعادل 5% من إمدادات الطاقة الوطنية. وفي بيان صدر في العام الماضي، صرّح دان ماروكان، الرئيس التنفيذي لشركة إسكوم، قائلاً: “تُجسّد كويبرغ كيف يُمكن للطاقة النووية أن تُوازن الأولويات الاقتصادية والبيئية لخلق مستقبل مستدام للطاقة”.
تقوم شركة روساتوم الروسية ببناء محطة أخرى في مصر، ومن المقرر أن يبدأ تشغيل أول مفاعل من أصل أربعة مفاعلات في عام 2026. كما كان من المقرر تطوير هذا المشروع النووي في محافظة مطروح على ساحل البحر الأبيض المتوسط، على بُعد حوالي 250 كيلومترًا غرب الإسكندرية. ويشمل المشروع بناء محطة طاقة نووية بقدرة 4.8 جيجاواط، تتألف من أربعة مفاعلات نووية من طراز VVER-1200 بتصميم AES-2206، قادرة على إنتاج 1.2 جيجاواط لكل منها.
في حين أن كينيا تسير على الطريق الصحيح لبدء بناء أول محطة للطاقة النووية بحلول عام 2027، على أن يبدأ توليد الكهرباء بحلول عام 2034، كما صرّح مسؤولون من وكالة الطاقة النووية (NuPEA) خلال جلسة استماع برلمانية عُقدت عام 2024. وتعتزم كينيا بناء محطة نووية بقدرة 1000 ميجاواط في بوندو، مقاطعة سيايا. وسيُرسّخ تطوير كينيا لهذا المشروع النووي مكانتها كمركز نووي في المنطقة وفي أفريقيا بشكل عام.
وإن هذا التوجه الناشئ يعكس تحولاً قارياً في سياسات الطاقة، ويُقرّ بأن الطاقة النووية عنصرٌ أساسيٌّ في استراتيجيات الطاقة الشاملة لمعالجة العجز المستمر في الوصول إلى الكهرباء في القارة. وإن التنفيذ الناجح لأطر تطوير الطاقة النووية المناسبة، من شأنه أن يُمكّن أفريقيا من تلبية ما بين 15% و20% من احتياجاتها من الكهرباء بحلول عام 2040، مع خفض انبعاثات الكربون بمقدار 180 مليون طن سنوياً، أي ما يعادل إزالة 40 مليون سيارة من الطرق.
ورغم كل هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال المخاوف قائمة، حيث تُحذّر اثنتا عشرة منظمة من منظمات المجتمع المدني من أن المشاريع النووية تتطلب استثمارات ضخمة بالعملة الأجنبية، مما قد يُفاقم أعباء الديون ويُعمّق الاعتماد التكنولوجي. وفي الفترة من عام 2017 إلى عام 2024، بُنيت أكثر من 90% من المفاعلات النووية الجديدة حول العالم من قِبل روسيا والصين. وفي أفريقيا، لا تزال روسيا هي المهيمن الوحيد، من خلال شركة روساتوم، بينما تسعى الصين والولايات المتحدة إلى ترسيخ مكانتهما في سوق المفاعلات النووية الصغيرة المتنامي.
وكذلك حذّر فيليب جاكبور، من منظمة مبادرة رينفلين للتنمية غير الحكومية، قائلاً: “لقد واجهنا صعوبات طويلة الأمد في البنية التحتية للنفط والغاز…. ويجب أن يكون الأمن في محطة الطاقة النووية أشبه بقاعدة عسكرية”. ويُثير المنتقدون مخاوف بشأن إدارة النفايات والتأخيرات المتكررة في المشاريع النووية، والتي غالبًا ما تُقلّل الحكومات من شأنها. وبالمثل، ترى بعض الدول في ذلك نقلة تكنولوجية؛ إذ يُمكن أن يكون لتطوير الخبرات والقدرات المحلية فوائد غير مباشرة.
مواجهة التحديات
بشكل عام، تُعدّ القدرة على تحمل التكاليف تحديًا رئيسيًا آخر، إذ تُعيق تكاليف الكهرباء والوقود المرتفعة الاستهلاك الفردي والقدرة التنافسية للصناعات. ويمثل تطوير البنية التحتية وتمويلها عقباتٍ حرجة، مع عدم كفاية الاستثمارات في شبكات توليد الطاقة ونقلها وتوزيعها. وتواجه العديد من مشاريع الطاقة صعوبةً في تأمين التمويل، وبالتالي يُؤدي ذلك إلى مزيد من التأخير وانعدام الكفاءة.
ويأتي تجدّد الاهتمام بالطاقة النووية في الوقت الذي لا يزال فيه ما يقرب من 600 مليون أفريقي يفتقرون إلى كهرباء بشكل دائم. ويرى البنك الدولي أن الطاقة النووية أساسية لتوفير طاقة الحمل الأساسي المستقرة اللازمة للنمو الصناعي والمستشفيات والخدمات الأساسية، ويتوقع أن يتضاعف الطلب على الكهرباء في البلدان النامية بحلول عام 2035.
فالطريق إلى اعتماد الطاقة النووية مُعقّد ومليء بالصعوبات. فتحديات التمويل، واضطرابات سلسلة التوريد، ونقص الكفاءات غير المستقر، والأهم من ذلك، النقص المتزايد في اليورانيوم اللازم لتشغيل منشآت الطاقة النووية، جميعها تُشكّل تحدياتٍ تُواجه قطاع الطاقة الذي يُنظر إليه حاليا على أنه أساسي لمعالجة نمو الطلب على الكهرباء مع تقليص اعتماد الشبكات على الوقود الأحفوري.
قال شنايدر: “تبلغ قدرة شبكة كينيا حوالي 3.3 جيجاواط، لذا كان من المتوقع أن تبلغ قدرة أكبر وحدة حوالي 300 ميجاواط، وهو أقل بكثير من مفاعل نووي كبير”. وأضاف قائلا: “في رواندا، تبلغ القدرة الإجمالية للشبكة الوطنية 300 ميجاواط. لذا، نحن في وضع لا تمتلك فيه محطة طاقة نووية عادية حجم الشبكة المطلوب في معظم الدول الأفريقية”.
مؤخرًا، دافع الرئيس التنفيذي لشركة MTNفي نيجيريا عن ضرورة زيادة الطاقة النووية في أفريقيا لتزويد مراكز البيانات الجديدة في القارة قيد الإنشاء. لقد تخلفت أفريقيا عن المناطق الأكثر ثراءً في الاندفاع العالمي لبناء البنية التحتية الرقمية اللازمة للذكاء الاصطناعي، حيث تضم أقل من 1% من سعة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في العالم. وتتركز معظم مراكز البيانات في أفريقيا في جنوب أفريقيا، أكبر اقتصاد في القارة.
فالطريق إلى توليد الطاقة النووية ليس بالأمر السهل. فقد عانت المشاريع النووية الأخيرة حول العالم من تأخيرات طويلة وتجاوزات هائلة في التكاليف. ورغم أن الطاقة النووية قادرة على توفير إمدادات مستقرة من الطاقة الأساسية، فإن فاتورة البناء الضخمة سوف تجعل تمويل المشاريع أمراً صعباً بالنسبة للحكومات الأفريقية.
لطالما اشتكت الحكومات الأفريقية من أن وكالات التصنيف الائتماني تخفض تصنيفها بشكل غير عادل مقارنةً بنظرائها من غير الأفارقة، مما يرفع تكاليف الاقتراض لديها. وصرح لوييسو تياباشي، الرئيس التنفيذي لشركة جنوب أفريقيا للطاقة النووية قائلا: “دعونا ننفذ هذه المشاريع، مع الأخذ في الاعتبار أن المشاريع الأولى ستعاني من مخاطر عالية المستوى. وبعد ذلك علينا أن نتحدى بشكل منهجي لكل العوائق”.
ويجادل شنايدر بأن الدول الأفريقية بحاجة إلى أنظمة لامركزية لإنتاج الطاقة، وهي مزيج من أنظمة الطاقة المتجددة وأنظمة الطاقة التي يمكن بناؤها بسرعة، على عكس محطات الطاقة النووية. وأضاف قائلا: “الفرصة الرائعة في قارة مثل أفريقيا هي أنه في العديد من الأماكن، يجب إنجاز كل شيء من البداية”. “وإن حقيقة عدم وجود شبكات أو وجود شبكات صغيرة للغاية يمكن أن تشكل فرصة لتنفيذ شبكات متقدمة ومرنة للغاية مصممة للمستقبل، مع إنتاج لامركزي للطاقة الشمسية أو طاقة الرياح أو غيرها من الطاقات، والكتلة الحيوية.”

أخبار الأفارقة وتقارير فعالياتها واستشاراتها.