
تسخير الإرث الثقافي الأفريقي لدفع التنويع الاقتصادي في أفريقيا
تمتاز قارة أفريقيا بإرث حضاري عميق الجذور في تاريخها وطبيعتها، و بثقافتها الغنية وتراثها الفريد. فإنها توفر مجموعة واسعة من التجارب الثقافية للباحثين والسياح، وتشمل كنوزًا ثقافية لا مثيل لها، بدءًا من المواقع الأثرية إلى الفنون والعادات والتقاليد. وهناك ٱثار تاريخية تبرز مدى ثقافة أفريقيا وغنى ثراثها مثل الأسوار القديمة لمدينة كانو في نيجيريا، وأهرامات مصر العظيمة، وكنائس لاليبيلا المحفورة في الصخر بإثيوبيا، ومسجد لارابانغا في غانا، ونصب الشهداء في الجزائر، ومدينة تمبكتو في مالي، وموقع شالة في المغرب، ومدينة زيمبابوي العظمى.
وفي القترة الاستعمارية، لم تُستثمر ثروة إفريقيا الثقافية لأغراض اقتصادية تعود بالنفع على الأفارقة. فقد كانت الثقافة مهمشة عن التخطيط الاقتصادي الجوهري، الذي اعتمد أساسًا على استخراج الموارد الطبيعية. كما أن السياسات الاقتصادية آنذاك صُممت لخدمة مصالح المستعمرين على حساب السكان الأصليين واقتصاداتهم. وهكذا، حُفظت الأصول الثقافية لقيمها الرمزية وهويتها الأخلاقية فحسب.
لقد واجه الكثير من الدول الإفريقية بعد الاستقلال مشكلات اقتصادية نتيجة الإرث الاستعماري. وبدأ ذلك من إخفاق القادة الأفارقة في استغلال قيمة التراث كأداة اقتصادية، مما أدى إلى تعقيد العلاقة بين التنوع الثقافي في إفريقيا وتبعات السياسات الاستعمارية التي أعاقت في بداياتها محاولات التنمية الشاملة وإدماج الثقافة والتراث في الاقتصاد.
الوصول الاستراتيجي من خلال التراث إلى الازدهار الاقتصادي
في أواخر القرن العشرين وأوائل الحادي والعشرين، شهدت أفريقيا تحولًا ثقافيًا هاما، وذلك أن برزت حركات فنية تحتفي بثراء القارة وتنوعها. ثم بدأ اعتبار الثقافية الأفريقية محركات اقتصادية أساسية، مما أدى إلى تحول في سياسات الحوكمة. وشرع القادة الأفارقة في الاهتمام بأصولهم الثقافية لتعزيز النمو الاقتصادي من خلال تنشيط السياحة الثقافية ودعم الصناعات الإبداعية. وتعد خطوة ليست مجرد تعديل في السياسات، بل عملية تحرير اقتصادي من الإرث الاستعماري، وتوجهًا استراتيجيًا لتنويع مصادر الدخل الوطني. وقد عملت الحكومات والمؤسسات الإقليمية على تبني وتنفيذ سياسات ثقافية تهدف إلى تعزيز الإبداع وصون التراث الإفريقي.
ومن أبرز الخطوات السياسية التي دعمت دمج الأصول والتراث الثقافي في التخطيط الاقتصادي: أجندة الاتحاد الإفريقي 2063، التي وضعت تصورًا لإفريقيا متحضرة ومسالمة ومتمركزة حول الثقافة ضمن سياق عالمي. وقد جعل الاتحاد الثقافة محورًا أساسيًا لاستراتيجية التنمية الطويلة المدى، وحدد أهدافًا قابلة للقياس، من بينها استعادة 30% من الممتلكات الثقافية والتحف المسروقة بحلول نهاية 2023. وقد شهدت القارة موجة واسعة من عمليات استرداد التراث؛ حيث أعادت ألمانيا أول دفعة من برونزيات بنين عام 2022، وأعادت فرنسا 26 قطعة ملكية إلى بنين عام 2021، وأعادت جامعة كامبريدج 39 قطعة إلى أوغندا عام 2024، فيما أعادت هولندا 119 أصلًا ثقافيًا إلى نيجيريا في يونيو 2025، وهي أكبر عملية استرداد حتى الآن.
تسخير البُنى التحتية الثقافية الضخمة للنفع الاقتصادي في إفريقيا
لقد اتخذت مصر ونيجيريا والسنغال وغانا والمغرب وكينيا ورواندا خطوات جريئة للاستفادة من مواردها الثقافية عبر الاستثمار في البُنى التحتية الثقافية والصناعات الإبداعية. وهذا يؤكد أن القادة الأفارقة سعوا نحو تعزيز التنمية الاجتماعية والاقتصادية و مولو مشاريع ثقافية كبرى تعد كأدوات مباشرة لتحقيق النمو الاقتصادي ولا مجرد مخازن للتاريخ كما كان سابقا.
ويعد الاقتصاد الإبداعي الثقافي في كينيا، وفقا لتقارير اليونسكو، من أسرع القطاعات نموًا، حيث يساعد في دعم الابتكار الوطني وتوفير فرص كثيرة للعمل. ودولة غانا تعترف بدور الفن والثقافة في تحريك النمو الاقتصادي، وفي تنشيط السياحة وخلق فرص عمل وزيادة عائدات النقد الأجنبي عبر الصادرات الثقافية. وقد جعل صناع القرار هذا القطاع ركيزة أساسية للتحول الاقتصادي، إذ خصصت الحكومة 40 مليون سيدي غاني في موازنة 2026 لصالح الفنون والصناعات السينمائية، بهدف تطوير الصناعة ودعم الفنانين وتطوير البنى التحتية، مثل المراكز الثقافية ومحاور الإنتاج الإعلامي.
– المتحف المصري الكبير
إن المتحف المصري الكبير في الجيزة هو حاليا أضخم مشروع ثقافي في إفريقيا وأكبر متحف للآثار في العالم على مساحة 490 ألف متر مربع. ويتوقع أن يغير مصير قطاع السياحة بمصر، وذلك بعد قضاء أكثر من عشرين عامًا من العمل و بعد استثمارات بلغت 1.2 مليار دولار، إذ يضم أكثر من 50 ألف قطعة أثرية، بينها المجموعة الكاملة لتوت عنخ آمون.
وترى الحكومة المصرية أن المتحف يمثل أداة استراتيجية لدفع عجلة النمو الاقتصادي عبر تنشيط السياحة، التي تمثل بالفعل أكثر من 8% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2024. ومن المتوقع أيضا أن يسهم المتحف في زيادة احتياطي العملات الأجنبية وخلق آلاف الوظائف الجديدة.
ويُعد هذا المشروع ركنًا أساسيًا في خطة مصر لرفع عدد الزوار السنويين إلى 30 مليون سائح بحلول 2026، مع زيادة عدد الزوار اليومي من 5,000 إلى 15,000 شخص، وفقا لوزير السياحة والآثار شريف فتحي. كما نفذت الحكومة تحسينات في البنية التحتية لاستيعاب التدفق السياحي، بما يعزز دور المتحف في دعم الاقتصاد المحلي عبر تنشيط قطاعات الإقامة والنقل والخدمات التجارية في منطقة الجيزة.
– المسرح الوطني للفنون في نيجيريا
يُعد المسرح الوطني للفنون من أهم الأصول الثقافية في نيجيريا، وقد خضع لعملية تطوير ضخمة بقيمة 68 مليار نيرة بقيادة البنك المركزي النيجيري ولجنة المصارف، بهدف تحويله إلى رافد اقتصادي يدعم هدف الدولة في الوصول إلى اقتصاد بقيمة تريليون دولار. وقد أعيد افتتاحه في 1 أكتوبر 2025 تحت اسم مركز وول سوينكا للثقافة والفنون الإبداعية.
وأفاد المحللون أن هذا الاستثمار سيحقق أرباحًا مباشرة ويوفر فرص عمل واسعة. إذ من المتوقع أن تسهم الصناعات الإبداعية عبر هذا المشروع في خلق مليون وظيفة على الأقل، وتوليد 25 مليار دولار من تدفقات النقد الأجنبي. كما سيترك تأثيرات اقتصادية كبيرة على قطاعات الضيافة والنقل والتنمية الحضرية، بما يعزز الازدهار المجتمعي من خلال زيادة نشاط الفنادق والمطاعم والمتاجر المحلية. ولا يمثل المشروع مجرد خطوة لحفظ التراث الثقافي، بل يعكس حرص نيجيريا على استثمار قيمته الاقتصادية.
– منصة التراث الرقمي القارية في السنغال
انبثقت فكرة إنشاء منصة قارية للتراث الرقمي من خطة السنغال للتحول الرقمي الممتدة لعشر سنوات، تحت عنوان العقد التكنولوجي الجديد – أفق 2034. وستشكل هذه المنصة عند اكتمالها أصلًا ثقافيًا رقميًا يمكن من خلاله حفظ وعرض القطع المستردة، مما يجعلها متاحة رقميًا ومحفوظة للأجيال القادمة.
ويمكن للمنصة الرقمية استثمار النمو المتسارع في عدد المستخدمين المتصلين بالإنترنت في إفريقيا لتحقيق انتشار فوري داخل القارة وخارجها، بدلاً من الاعتماد على المتاحف التقليدية. وكذلك ستُفتح آفاق جديدة للدخل عبر الاقتصاد الرقمي واستثمار القيمة الاقتصادية للأصول الثقافية في الفضاء الافتراضي.
المستقبل الاقتصادي للأصول الثقافية الإفريقية
لا يمكن تجاهل أهمية دمج الأصول الثقافية في الأجندة الاقتصادية الأساسية. فلابد للحكومات الإفريقية من مواصلة استثمار تراث القارة لتعزيز الصناعات الإبداعية والسياحة الثقافية. كما أن الاستثمار المستمر في البنى التحتية الثقافية والتراث الرقمي وتسويق الصناعات الإبداعية يمثل خطوة ضرورية لتنويع الاقتصادات الإفريقية.
ومع ذلك، فإن تحويل الأصول الثقافية من رموز وطنية إلى محركات اقتصادية يواجه تحديات بنيوية. لذا ينبغي على الحكومات الإفريقية تبني سياسات استراتيجية متكاملة، لا تقتصر على تمويل المشروعات فقط، بل تشمل تعزيز الحوكمة، واحتراف منظومة الصناعات الإبداعية، وضمان الحماية المؤسسية للمنتجات الفنية والثقافية.

أخبار الأفارقة وتقارير فعالياتها واستشاراتها.