قراءة للمشهد السوداني في ضوء التطورات الأخيرة

في يوم 25 من أكتوبر 2021 سيطر الجيش السوداني بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان على الحكومة في انقلاب عسكري آخر منذ عام 2019. وقد كان الرأي السائد أن المكون العسكري يتربص بقوى الحرية والتغيير وي

في يوم 25 من أكتوبر 2021 سيطر الجيش السوداني بقيادة الجنرال عبد الفتاح البرهان على الحكومة في انقلاب عسكري آخر منذ عام 2019. وقد كان الرأي السائد أن المكون العسكري يتربص بقوى الحرية والتغيير وي

حاول وضع العراقيل أمام الحكومة التنفيذية منذ تاريخ إقرار الشراكة المدنية العسكرية في 17 من أغسطس 2019 بعد سقوط الرئيس عمر البشير. وقد شكلت الخلافات الداخلية في قوى الحرية والتغيير وعدم معالجتها الثغرةَ التي استغلها العسكر في تمدد نفوذهم وصولاً إلى القرارات الاستثنائية التي وصفت في نطاق واسع داخلياً وخارجياً بالانقلابية.

وتعود الخلافات بين مكونات الحاضنة السياسية للحكومة الانتقالية (الحرية والتغيير) إلى فترة المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، حيث ترى قوى الكفاح المسلح أن أحزاب الحرية والتغيير أغفلت الهامش وقضايا الحرب والسلام في مفاوضاتها مع المكون العسكري واهتمت بقضايا انحصرت جلها في ترتيبات السلطة والحريات في العاصمة القومية.

ولتدارك تلك المواقف جرت عدة مشاورات بين قوى الحرية والتغيير عبر مكوناتها المختلفة الحزبية والمهنية وقوى الكفاح المسلح، بغية جعلها حاضنة لحكومة الثورة خلال الفترة الانتقالية. ومن بين هذه المشاورات ما جرت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا والعاصمة المصرية القاهرة.

اشترك ليصلك جديد الأفارقة

مشاورات أديس أبابا والقاهرة

ففي يوليو 2019 جرت مشاورات بأديس أبابا بين أطراف الحرية والتغيير والجبهة الثورية. وكانت النقاشات حول هيكلة قوى الحرية والتغيير كحاضنة سياسية لحكومة الثورة، وتناولت قضايا الحرب والسلام والتحول الديمقراطي، وتضمين تلك التفاهمات في الوثيقة الدستورية. ولكن قوى الحرية والتغيير لم تأخذ تلك التفاهمات بمأخذ الجد، ولم تضمنها في الوثيقة الدستورية.

وقد كان الحزب الشيوعي السوداني أبرز المعترضين لتفاهمات أديس أبابا، على الرغم من أنه ضمن أحزاب قوى الحرية والتغيير آنذاك. ونتيجة لنفوذه بين قوى الثورة ونكوص ممثلي الحرية والتغيير عن ما اتفقوا عليه، لم يتم تضمين تفاهمات أديس أبابا في الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية، كما أن المجلس العسكري لم يتحمس لمشاركة قوى الكفاح المسلح في تلك الفترة خوفاً من تقوية قوى الحرية والتغيير في مواجهته.

وفي السياق نفسه؛ جرت محادثات في القاهرة في الفترة من 11 و 13 أغسطس 2019 بين قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية تحت رعاية الحكومة المصرية لبحث ومراجعة وثيقة الاتفاق السياسي ودمج اتفاق أديس ابابا في الوثيقة الدستورية. ومن أهم مطالب الجبهة الثورية في هذا اللقاء أن يُضَمّن في الوثيقة الدستورية مادة تشير إلى أن اتفاقية السلام يجب أن تعلو الوثيقة الدستورية. وبحسب رؤية الجبهة الثورية لا تمثل الوثيقة إجماع أهل السودان, كما أنها بشكلها “تضع عراقيل أمام تنفيذ أي اتفاق سلام قادم بتحديد سقفه بمنطوق الوثيقة الدستورية نفسها”, وفقا لبيان للجبهة الثورية الصادر في 5 أغسطس 2019.

وشددت الجبهة الثورية على أن الوثيقة الدستورية لم تهتم بالسلام بالدرجة المطلوبة، كما أنها لم تتضمن الاتفاق الذي جرى بينها وقوى الحرية والتغيير في 24 يوليو 2019 بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا.

وبرزت الخلافات أيضا في لقاءات جوبا والخرطوم اللاحقتين، مما يعني أن هناك خلاف بين أحزاب الحرية والتغيير وحركات الكفاح المسلح منذ البداية. ونتيجة لتلك الخلافات أصرت الجبهة الثورية على عدم تشكيل الحكومة التنفيذية والمفوضيات وتعيين ولاة الولايات دون استصحاب رؤيتها وإرجاء ذلك حتى الوصول للسلام.

وقد استفاد المكون العسكري من تلك الظروف والخلافات بين قوى الثورة الحزبية والمهنية وقوى الكفاح المسلح، في إطالة فترة حكامه العسكريين في الولايات، وتمدد المكون العسكري نفوذاً على حساب الحكومة التنفيذية والحاضنة السياسية، كما استفاد من غياب الجهاز التشريعي.

وفي حدّ تعبير الدكتور أحمد حسين آدم الباحث في الجامعات الأمريكية: “وضح جلياً أن بعض القوى السياسية والنخب في المركز ما زالت تسيطر عليها الذهنية والمنهج الإقصائي والانتهازي القديم الذي أفشل دولة ما بعد الاستقلال.” ويضيف قائلا “أن هنالك صراعاً عميقاً بين بعض الدوائر المكونة للسلطة الانتقالية حول ملف السلام، فبعضها يريد تأخير السلام للاستفراد بالحكم، بينما البعض الآخر يسعى للاستقواء بملف السلام لتحقيق أطماع ومكاسب سياسية للاستمرار في السلطة”. تنطبق الحالة الأولى على أحزاب قوى الحرية والتغيير فيما تنطبق الحالة الثانية على المكون العسكري.

مكونات قوى الحرية والتغيير

أ- قوى الحرية والتغيير- المجلس المركزي:

تضم المجموعة أربعة أحزاب رئيسية وهي حزب الأمة القومي والمؤتمر السوداني والبعث العربي الاشتراكي وتجمع الاتحاديين، كما تضم تنظيمات سياسية ومهنية أخرى منها الحزب الجمهوري وجناح من تجمع المهنيين السودانيين وتجمع منظمات المجتمع المدني، وبعض حركات الكفاح المسلح، منها الحركة الشعبية شمال بقيادة القائد مالك عقار، وتجمع قوى تحرير السودان بقيادة الطاهر حجر، وحركة تحرير السودان – المجلس الانتقالي بقيادة الدكتور الهادي إدريس، وهذه الحركات قادتها الثلاث هم أعضاء مجلس السيادة الانتقالي عن الجبهة الثورية.

ووقعت هذه المجموعة الإعلان السياسي في الثامن من سبتمبر الماضي ينص على وحدة قوى الحرية والتغيير وهيكلة آلياتها، لكنها لم تأخذ بتحفظات بعض القوى الأخرى مما أدت إلى خروج مجموعة جديدة سمت نفسها قوى الحرية والتغيير- الميثاق الوطني والتي تطالب بالإصلاح وتوسعة المشاركة السياسية.

ب- قوى الحرية والتغيير وتوقيع الميثاق الوطني:

تضم هذه المجموعة حركة العدل والمساواة السودانية بقيادة وزير المالية دكتور جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان بقيادة حاكم اقليم دارفور القائد مني أركو مناوي، والتحالف السوداني بقيادة والي غرب دارفور الجنرال خميس عبدالله ابكر، والتوم هجو رئيس الحزب الاتحادي- مسار الوسط في اتفاقية جوبا، وحركة كوش بقيادة محمد داؤود، وكيان الشمال بقيادة الجاكومي، والجبهة الشعبية للتحرير والعدالة بقيادة الأمين داؤود، ومؤتمر بجا المعارض بقيادة أسامة سعيد، والتحالف السياسي للعدالة الاجتماعية بقيادة مبارك أردول وعلي عسكوري، وعدد من زعماء القبائل والتنظيمات الشبابية والمجتمعية والمهنية.

وتطالب هذه المجموعة بتوسعة الحاضنة لتشمل جميع قوى الثورة الموقعة على إعلان قوى الحرية والتغيير والعودة إلى منصة التأسيس في يناير 2019م، كما تطالب بحل الحكومة وإعادة تشكيلها، وحل لجنة تفكيك النظام السابق واعادة تشكيلها وتقنين أعمالها. وترى أن مجموعة المجلس المركزي اقصت عدة تنظيمات وأدخلت البلاد في نفق مظلم وعملت على معاداة الجيش وبث خطاب الكراهية بين مكونات المجتمع السوداني.

ووقعت هذه المجموعة أيضا ميثاق التوافق الوطني في قاعة الصداقة في الثاني من أكتوبر الماضي، كما وقعت التوقيع النهائي ودشنت اعتصاماً أمام القصر الجمهوري في 16 من أكتوبر من الشهر ذاته، واستمرت في الاعتصام حتى صدور قرارات القائد العام للجيش في 25 أكتوبر.

ج- التنظيمات الأخرى:

تضم التنظيمات الأخرى الحزب الشيوعي وجناح من تجمع المهنيين، وبعض لجان المقاومة في الأحياء والتنظيمات الشبابية والمجتمعية المستقلة. وبالرغم من أن هذه التنظيمات لا تجمع بينها إطارا تنظيميا واحداً وموقفا سياسياً موحداً، إلا أنها تتقارب في رفضها الشراكة مع المكون العسكري وتطالب بفض الشراكة وتكوين حكومة انتقالية مدنية كاملة.

العوامل التي عزّزت العملية الانقلابية

أولاً: من العوامل التي أدت إلى انقلاب أوكتوبر 2021 أن قوى الحرية والتغيير لم يسعَ بشكل جاد إلى تشكيل المجلس التشريعي الانتقالي، على الرغم من أن مدته المحددة في الوثيقة الدستورية لا تتجاوز تسعين يوماً من تاريخ توقيع الوثيقة الدستورية، نتيجة للخلافات فيما بينها في توزيع مقاعد المجلس. وقد أوضح رئيس الوزراء للشعب أسباب تأخر تشكيل المجلس التشريعي بأن المعنيين بأمره, وهم قوى الحرية والتغيير والمكون العسكري, غير راغبين في تشكيله. فاستفاد من هذه الوضعية المكون العسكري لعدم وجود الجهاز الرقابي الأول في الدولة مما سهل له الانقضاض على الشريك المدني.

ثانياً: عدم تشكيل المحكمة الدستورية، والمجلس الأعلى للقضاء، والمجلس الأعلى للنيابة، والمفوضيات وغيرها من المؤسسات الدستورية الانتقالية.

ثالثاً: فشلت الحاضنة السياسية في أن تحضن نفسها وتحتوي مكوناتها وتحصن وحدتها من الانقسامات، فقد خرج عنها الحزب الشيوعي السوداني باكراً، وخرج جناح من تجمع المهنيين المقرب من الحزب الشيوعي، كما خرج حزب الأمة القومي لكنه عاد للحاضنة بموجب الاعلان السياسي الموقع في الثامن من سبتمبر الماضي، وخرج كذلك حزب البعث السوداني والاتحادي الموحد وغيرها من التنظيمات السياسية والمهنية، والسبب الرئيسي في تلك التصدعات هي المواقف السياسية لقوى الحرية والتغيير المتماهية مع المكون العسكري وبعدها عن مبادئ الثورة ومطالب الشعب، والتباين في المواقف السياسية والمحاصصات.

رابعاً: عدم احتواء الحرية والتغيير لكل قوى الكفاح المسلح نتيجة لغيرة سياسية وضيق أفق سياسي، وبالتالي تلك القوى اقتربت في رؤاها مع القوى السياسية والمهنية وزعماء القبائل والطرق الصوفية المقصية أصلاً، في تبني ميثاق يجمع فيما بين تلك القوى، واقتربت من المكون العسكري مطالبة بتوسعة الحاضنة السياسية والحكومة وعدم احتكارها لقوى بعينها.

خامساً: رفضت الحرية والتغيير – المجلس المركزي، المشاركة في خلية الأزمة السباعية التي شكلها رئيس الوزراء برئاسته لحل الأزمة بواقع عضوين من المكون العسكري وعضوين لمجموعة الميثاق الوطني وعضوين لمجموعة المجلس المركزي.

وإلى جانب كل ذلك، هنالك مخاوف لقادة المكون العسكري من انتقال رئاسة مجلس السيادة للمدنيين، نسبة لدورهم في فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019م، والاتهامات الأخرى، إلى جانب ارتباطاتهم بالنظام السابق وبعض القوى الاقليمية. مما جعلهم يختلقون أزمات سياسية وأمنية واقتصادية لخنق الحكومة المدنية وإظهارها بالضعف واتهامها بالفشل.

كما أن العديد من القوى العربية لا تريد نجاح الحكومة المدنية والانتقال الديمقراطي في السودان حتى تكون تجربة ملهمة لشعوبها ونقلها إلى تلك الدول، وكذلك تضارب مصالحها مع الحكومة المدنية والتي ترتكز على الإرادة الشعبية والمصلحة الوطنية والبعد عن المحاور في السياسة الخارجية.

كل ذلك شكل دعماً ومحفزاً لقائد الجيش البرهان من اتخاذ قراراته، وهنالك أنباء تواترت من وكالات الأنباء الدولية، تؤكد أن البرهان وجد الضوء الأخضر من القوى الاقليمية الداعمة له في اتخاذ خطواته غير الدستورية، بهدف ابعاد رئيس الوزراء وإعادة ترتيب المشهد من جديد.

تداعيات اتفاقية جوبا لسلام السودان على شركاء الفترة الانتقالية

بعد توقيع اتفاقية جوبا للسلام ودخول أطراف العملية السلمية، تم تعديل بعض مواد الوثيقة الدستورية، منها المادة (15) والتي تنص على تشكيل حكومة من كفاءات وطنية مستقلة إلى حكومة من كفاءات وطنية، لإفساح المجال لممثلي حركات الكفاح المسلح والأحزاب السياسية بالمشاركة، كما تم تعديل المادة (7) والمعنية بمدة الفترة الانتقالية وتحديد فترة حكم العسكريين والمدنيين، فتم تعديلها باعتماد ما نصت عليها اتفاقية جوبا بأن مدة الفترة الانتقالية تبدأ من تاريخ التوقيع النهائي لاتفاقية جوبا للسلام في السودان.

إلى جانب ذلك، تم إضافة مادتان جديدتان في الوثيقة الدستورية هما المادة (79) و(80). تنص المادة (79) على الآتي “يعتبر اتفاق جوبا لسلام السودان المرفق بهذه الوثيقة الدستورية والموقع في 3 أكتوبر 2020م، بين حكومة السودان الانتقالية وأطراف العملية السلمية، جزءاً لا يتجزأ منها وفي حال التعارض بينهما يزال التعارض بما يتوافق مع نصوص اتفاق جوبا لسلام السودان”.

أما المادة (80) وهي آخر مادة في الوثيقة الدستورية فتنص على: ينشأ مجلس يسمى “مجلس شركاء الفترة الانتقالية”، تمثل فيه أطراف الاتفاق السياسي في الوثيقة الدستورية ورئيس الوزراء وأطراف العملية السلمية الموقعة على اتفاق جوبا لسلام السودان، يختص بحل التباينات في وجهات النظر بين الأطراف المختلفة وخدمة المصالح العليا للسودان وضمان نجاح الفترة الانتقالية، ويكون لمجلس شركاء الفترة الانتقالية الحق في إصدار اللوائح التي تنظم أعماله.

أثبتت الفترة القصيرة من عمر مجلس الشركاء فشل التجربة في احتواء الخلافات بين مكوناته، فقد بدأ الخلاف في اجتماعات مجلس شركاء الفترة الانتقالية بين المكون العسكري وبعض مكونات قوى الحرية والتغيير، ونتيجة لتلك الخلافات علق أعضاء المكون العسكري عضويتهم في المجلس وعدم حضور جلسات المجلس، مما أدى إلى توقف أعمال المجلس حتى الآن.

كما أن على الرغم من النجاحات الكبيرة التي حققتها حكومة رئيس الوزراء في ملفات عديدة داخلياً مثل السلام وتحقيق قدراً من الاصلاح الاقتصادي والقانوني والمؤسسي، وخارجياً منها الاندماج في الاقتصاد الدولي وعودة السودان للمجتمع الدولي بعد رفع اسم السودان من القائمة الأمريكية للإرهاب والتطبيع مع اسرائيل. إلا أن الحكومة الحزبية الأخيرة ونتيجة لخلافات الحاضنة السياسية ومواقف قادتها في مؤسسات الفترة الانتقالية أثرت في أداءها وعلاقاتها الفاترة مع المكون العسكري.

المحاولة الانقلابية الفاشلة في سبتمبر 2021

تفجرت الخلافات بعد حدوث المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قامت بها مجموعة من الضباط في الجيش في 21 سبتمبر الماضي، وتصاعدت التصريحات بين قادة المكون العسكري والحرية والتغيير– المجلس المركزي، وتبادل الطرفان الاتهامات، وبرزت على السطح الخلاف حول توقيت انتقال رئاسة المجلس السيادي للمدنيين، حيث يرى المدنيون أن مدة حكم العسكر تنتهي بحلول نوفمبر 2021م، بينما يرى العسكريون ان فترتهم تنتهي بحلول يوليو 2022م استناداً على اتفاقية جوبا للسلام، وفي ظل غياب المحكمة الدستورية حتى تفتي الطرفين في هذه المسألة الدستورية أصبحت الأزمة في تصاعد مستمر ودخلت نفق مظلم. ونتيجة لتلك الخلافات تعطلت اجتماعات مجلس السيادة الانتقالي حتى تم حله.

أثر التفاعلات الاقليمية والدولية في شركاء الفترة الانتقالية

التدخلات الخارجية الكثيفة للفاعلين في المشهد السوداني، أدت إلى انقسام وتشظي بين قوى الحاضنة السياسية وزيادة الانقسام والتباعد بين شركاء الفترة الانتقالية.

فالمنافسات والصراعات بين القوى الدولية في إطار الصراع الجيوسياسي في المنطقة برمتها، ووقوع السودان في قلب تلك الاحتدام، أفرزت شد وجذب في مكونات الفترة الانتقالية، خاصة التباين في الرؤى في الملفات الاستراتيجية الكبرى كالموانئ والسواحل البحرية والمياه والسدود والحدود وقضايا السياسة الخارجية، والتعدين والاستثمارات العسكرية ومحاكمة رموز النظام السابق.

كل تلك التفاعلات أسهمت في تفجر الخلافات السياسية متعددة الأطراف والمستويات، منها الخلاف العسكري العسكري، والعسكري المدني، والمدني المدني، والخلاف في شرق السودان واعتراض بعض القوى القبلية لمسار الشرق في اتفاقية جوبا مطالبين بإلغاء المسار، وقيامهم بإغلاق الموانئ وخط أنبوب نفط جنوب السودان للصادر وقطع الطريق القومي الذي يربط شرق السودان بالعاصمة القومية وبقية أنحاء السودان.

جهود رئيس الوزراء في حل الأزمة

في سعيه لحل الخلافات بين شركاء الفترة الانتقالية، قدم رئيس الوزراء عبدالله حمدوك مبادرة لحل أزمة الانتقال الديمقراطي في البلاد، سماها الطريق إلى الأمام، هدفها توحيد شركاء الفترة الانتقالية، وتبلورت تلك المبادرة في تشكيل آلية وطنية لإدارة الحوار بين القوى السياسية والمهنية والمجتمعية للوصول الى التوافق الوطني.

بعدالانقسام الكبير في الحاضنة السياسية إلى مجموعتين، وهما مجموعة المجلس المركزي ومجموعة الميثاق الوطني، قام رئيس الوزراء عبدالله حمدوك في 15 أكتوبر 2021م، بتقديم خارطة طريق لحل الازمة، والذي وصفها بأنها أسوأ وأخطر أزمة سياسية تمر بها البلاد، بقوله: “لقد تابعتم الأحداث الأخيرة في البلاد، والأزمة السياسية الحادة التي نعايشها الآن، ولن أبالغ إذا قلت إنها أسوأ وأخطر أزمة تهدد الانتقال، بل وتهدد بلادنا كلها، وتنذر بشر مُستطير”.

في خضم ذروة الأزمة السياسية، شكل رئيس الوزراء لجنة سباعية لحل الأزمة بين شركاء الفترة الانتقالية لكنها لم ترى النور بسبب رفض الحرية والتغيير- المجلس المركزي المشاركة فيها.

القرارات الانقلابية بعد 25 أكتوبر 2021

دخلت التطورات السياسية والعسكرية في السودان مراحل مأزومة بعد إصدار القائد العام للقوات المسلحة السودانية قراراته بإعلان حالة الطوارئ في البلاد، وفض الشراكة مع قوى الحرية والتغيير-المجلس المركزي، وحل مجلسي السيادة والوزراء الانتقاليين، واعفاء ولاة الولايات، واعتقال بعض وزراء وقادة قوى الحرية والتغيير– المجلس المركزي.

ووجدت قرارات 25 أكتوبر إدانة واستنكار داخلي واقليمي ودولي، وتم تسيير تظاهرات حاشدة مطالبة بعودة الحكم المدني ورئيس الوزراء عبدالله حمدوك لمنصبه، كل تلك المواقف، شكلت ضغطاً كثيفاً على البرهان وأركان حربه.

ونتيجة لتلك القرارات، علقت الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي مساعداتهما للسودان، ولوحت فرنسا بعدم إلغاء ديونها للسودان، كما قرر مجلس حقوق الانسان في جنيف تكليف مقرر خاص للسودان لمتابعة أحوال السودان.

مواقف أطراف الأزمة

قوى الحرية والتغيير – المجلس المركزي تطالب بالعودة للوضع ما قبل 25 أكتوبر حتى تقبل بالحوار مع المكون العسكري، بينما ترى قوى الحرية والتغيير- الميثاق الوطني، ترفض العودة لما قبل 25 أكتوبر رغم رفض بعض مكوناتها للانقلاب والبعض الآخر وصفوا الانقلاب بالإجراءات التصحيحية لمسار الثورة.

أما القائد العام للجيش البرهان يرفض إلغاء قراراته، لكنه قبل الحوار والمبادرات لحل الأزمة. بينما رئيس الوزراء عبدالله حمدوك يشترط لعودته للمنصب الإفراج عن وزرائه والسياسيين المعتقلين، والعودة للوثيقة الدستورية ثم إجراء التعديلات في حكومته.

مبادرات لحل الأزمة

برزت عدة مبادرات لحل الأزمة، منها مبادرة داخلية يقودها عميد الصحافة السودانية محجوب محمد صالح، وأفريقية بقيادة المستشار الأمني لرئيس دولة جنوب السودان توت قلواك، ومبعوث الاتحاد الأفريقي أوبوسانجو، ودولية يقودها الممثل الأممي رئيس بعثة اليونيتامس في السودان فولكر بيرتس، أثمرت تلك المبادرات في رسم خارطة طريق موحدة للخروج من الأزمة لا زالت جاري النقاش حولها، تتضمن عودة المؤسسات الانتقالية مع اقرار بعض التعديلات في مجلس السيادة والوثيقة الدستورية وعودة رئيس الوزراء عبدالله حمدوك على أن يشكل حكومة تكنوقراط مع احتفاظ المكون العسكري بوزارتي الداخلية والدفاع، وكذلك احتفاظ حركات الكفاح المسلح بمواقعهم في الحكومة.

تشير الأوضاع رغم قتامتها، باتفاق الفرقاء وعودة رئيس الوزراء لمنصبه، وذلك لرمزيته للمدنية والديمقراطية والثقة الكبيرة التي يتمتع بها وسط الشعب والمجتمع الدولي. وفي حال تعزر ذلك ستدخل البلاد في نفق مظلم.

 

أكاديمي سوداني وباحث في الدراسات الإستراتيجية.

مواد ذات صلة