تقدير موقف - الأفارقة للدراسات والاستشارات https://alafarika.org/ar/amp/section/situation-report/ مؤسسة بحثية استشارية. Sun, 23 Jun 2024 11:25:04 +0000 ar hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.5.4 https://i0.wp.com/alafarika.org/ar/wp-content/uploads/2022/08/cropped-Alafarisc-favc-1.png?fit=32%2C32&ssl=1 تقدير موقف - الأفارقة للدراسات والاستشارات https://alafarika.org/ar/amp/section/situation-report/ 32 32 209004356 النزاعات الطائفية في شمال نيجيريا وانعكاساتها على الأمن الغذائي للبلاد https://alafarika.org/ar/5804/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b2%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a7%d8%a6%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b4%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%86%d9%8a%d8%ac%d9%8a%d8%b1%d9%8a%d8%a7-%d9%88%d8%a7%d9%86/ https://alafarika.org/ar/5804/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b2%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a7%d8%a6%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b4%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%86%d9%8a%d8%ac%d9%8a%d8%b1%d9%8a%d8%a7-%d9%88%d8%a7%d9%86/#respond Sun, 23 Jun 2024 11:25:04 +0000 https://alafarika.org/ar/?p=5804

كان شمال نيجيريا بمثابة سلة الإنتاج الغذائي للبلاد، حيث يمثل أكثر من 70٪ من النشاط الزراعي، ولكن في الآونة الأخيرة، عانى من نزوح كبير لسكانه الزراعيين بسبب النزاعات الداخلية، مع التوقف المفاجئ للزراعة في المناطق المتأثرة. وقد نزح ما يقدر بنحو 2.13 مليون شخص داخليًا من المنطقة الشمالية الشرقية، في حين يعاني 8.7 مليون الآن من انعدام الأمن الغذائي. والنظام الغذائي برمته في المنطقة في حالة المعاناة الشديدة، ولهذا تداعيات على النظام الغذائي في نيجيريا على نطاق أوسع. فقد أدت النزاعات في الدول الرئيسية المنتجة للذرة إلى خنق توزيع الذرة إلى الأسواق وأدت إلى خسائر وهدر هائلة بعد الحصاد، وإلى نقص إمدادات الذرة.

ظهرت المقالة النزاعات الطائفية في شمال نيجيريا وانعكاساتها على الأمن الغذائي للبلاد أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>

ترتبط النزاعات الطائفية بالأمن الغذائي، حيث تحدث النزاعات في العديد من البلدان نتيجة عدم توافق المصالح بين مختلف الإثنيات والمجموعات الطائفية، مما يجبر العائلات على ترك منازلهم ويعطّل إنتاج الغذاء والنشاط الاقتصادي. وفي كثير من الحالات، يصعب على المنظمات تقديم المساعدة الإنسانية نتيجة هذه الأزمة. بينما الأمن الغذائي، وفق تعريف مؤتمر القمة العالمي للأغذية لعام 1996، يتحقق عندما يتمكن جميع الناس، في كل الأوقات، من الحصول على أغذية كافية وآمنة وبأسعار معقولة.  وذكر البنك الدولي أيضا أن الأمن الغذائي يعني إمكانية الناس في الوصول المادي والاقتصادي في جميع الأوقات إلى أغذية كافية وآمنة تلبي احتياجاتهم الغذائية وتفضيلاتهم الغذائية من أجل تحقيق حياة نشطة وصحية. وتتمثّل الركائز الأربع التي ذكرها الخبراء للأمن الغذائي، في التوفر، والوصول، والاستخدام، والاستقرار. وهناك توقعات من أنه خلال العقود المقبلة سيكون لتغير المناخ وتزايد عدد سكان العالم وارتفاع أسعار المواد الغذائية والضغوطات البيئية تأثيرات على الأمن الغذائي.

وفي حالة أفريقيا بشكل عام على مر السنين؛ تؤثر النزاعات الطائفية سلبًا على الأمن الغذائي، كما تعاني نيجيريا وضعا حرجا لأمنها الغذائي في الآونة الأخيرة، حيث قُدِّر في عام 2022 أن 17 مليون شخص في حالة خطيرة من انعدام الأمن الغذائي. بل تم تصنيف نيجيريا باستمرار من بين أسوأ 10 دول تعاني من أزمة غذائية أيضًا – وخاصة ولايات بورنو وأداماوا ويوبي الواقعة في إقليم شمال الشرق الذي يعد موطن تمرد “بوكو حرام”، مع الإشارة إلى أن إقليم جنوب الجنوب (أو أقصى الجنوب) يعاني أيضا من ارتفاع معدل الصراعات الطائفية التي تحدّ من حالات الوصول إلى الأغذية والإنتاجات الزراعية. وفي حين أن معظم النزاعات الطائفية في المناطق الريفية ينشأ في كثير من الأحيان من الفقر وندرة الموارد والتدهور البيئي، ويؤدي إلى تعطيل الأنشطة الزراعية في المناطق المتضررة منه؛ فإنه يؤدي أيضا إلى تشريد المجتمعات وتدمير البنية التحتية، مما يفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي وإدامته.

وبالإضافة إلى تمرد “بوكو حرام” في شمال الشرق والصدامات المتجددة بين المزارعين والرعاة في الشمال الأوسط من البلاد، تشمل العوامل الأخرى التي تساهم في حالة انعدام الأمن الغذائي: ضعف أنظمة النقل، والافتقار إلى مرافق التخزين الفعالة عبر المستوطنات الزراعية في نيجيريا، وارتفاع التضخم، وتصاعد معدلات الفقر والبطالة، وتفاقم أزمة تكلفة المعيشة التي تحدّ عن قدرة المواطنين على الوصول إلى الغذاء رغم إعلان الحكومة الفيدرالية النيجيرية في 14 يوليو 2023 عن حالة الطوارئ بشأن وضع الأمن الغذائي في البلاد وكشفها النقاب عن خطة تدخّل شاملة بشأنه لتعزيز استدامته، إلى جانب تعهدات الحكومة على اتخاذ إجراءات حاسمة لمعالجة التضخم الغذائي.

العواقب السلبية

معظم الأراضي في نيجيريا خصبة للغاية وتتمتع بهطول أمطار كافية والقدرة على إنتاج مجموعة متنوعة من المنتجات الزراعية. ومع ذلك، يتم معظم الأنشطة الزراعية على نطاق صغير فقط من خلال نظام دغل الأرض البور، حيث تترك الأرض خاملة لفترة من الوقت للسماح بالتجديد الطبيعي لمرافق التربة. وتعد نيجيريا موطنًا لملايين المزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة الذين يلعبون دورًا مهمًا في التنمية الاجتماعية والاقتصادية للبلاد، إذ أنهم مسؤولون عن إنتاج غالبية المواد الغذائية الأساسية في البلاد، وتوفير فرص العمل لملايين الأشخاص، والمساعدة في تنمية القطاع الزراعي في البلاد.

وتشير التقديرات إلى أن لحوالي 75% من إجمالي مساحة الأراضي في نيجيريا، البالغة حوالي 68 مليون هكتـار، إمكانيةَ الاستخدام الزراعي، ولكن حوالي 33 مليون هكتـار فقط يتم استخدامه الفعلي للزراعة فعليًا. كما أنه يتم استغلال حوالي 220 ألف هكتار فقط من بين 3.14 مليون هكتار من الأراضي القابلة للريّ. ويتراوح متوسط ​​حجم المزرعة بالنسبة لمزارعي الكفاف في نيجيريا من 1 إلى 3 هكتارات، حيث يوجد في الشمال أحجام مزارع أكبر من الجنوب. وبالرغم من أن شمال نيجيريا بمثابة سلة الإنتاج الغذائي لنيجيريا، حيث يمثّل أكثر من 70% من النشاط الزراعي، إلا أنه في الآونة الأخيرة عانى من نزوح كبير لسكانه المزراعين بسبب النزاعات الداخلية، مع التوقف المفاجئ للزراعة في المناطق المتأثرة. وقد نزح ما يقدر بنحو 2.13 مليون شخص داخليًا من إقليم شمال الشرق، في حين يعاني 8.7 مليون الآن من انعدام الأمن الغذائي. والنظام الغذائي برمته في المنطقة الشمالية في حالة التدهور الشديد، وهو ما ينعكس على النظام الغذائي في نيجيريا بشكل عام. وعلى سبيل المثال: أدت النزاعات المتعددة في الولايات الشمالية المنتجة للذرة إلى خنق توزيع الذرة إلى الأسواق النيجيرية ونقصها,،وتسببت خسائر وهدر هائلة بعد الحصاد.

وقد كشفت التقارير المحلية أن ثنائية انخفاض إنتاج الغذاء في مناطق النزاع، والهجرة الناجمة عن النزاع إلى المستوطنات الحضرية القائمة على المستهلك (وخاصة في جنوب نيجيريا)، قد أدّت إلى تغيير كبير في النظم الغذائية؛ إذ زادت واردات المواد الغذائية الأساسية بشكل كبير، وشهدت نيجيريا، التي كانت أكبر منتج للذرة في أفريقيا في عام 2021، زيادة بنسبة 637% في قِيَم واردات الذرة في عام 2020. ويقترن ذلك بعدم تلبية طلب منتجي علف الماشية للذرة والزيادة الكبيرة في أسعار مدخلات تربية الماشية، وخاصة الدواجن، مما يضغط على إمدادات الثروة الحيوانية.

ومما زاد على تفاقم تأثير زيادة حجم الواردات، أن الأزمة الروسية-الأوكرانية أثرت أيضًا على أسعار السلع المستوردة. واعتبارًا من مايو 2022، أدّى انقطاع إمدادات القمح العالمية الناتج عن الغزو الروسي-الأوكراني إلى ارتفاع متوسط ​​سعر البوشل من أنواع القمح الثلاثة الرئيسية بنسبة 165% للبوشل، كما ارتفع سعر الدقيق بنسبة 150% تقريبًا. وقد انتقل هذا الارتفاع في الأسعار أيضاً إلى الحنطة السوداء، التي تعتبر مدخلاً رئيسياً في الإنتاج المحلي من المعكرونة، حيث ارتفعت فاتورة واردات نيجيريا من الحنطة السوداء بنسبة 406%.

وقد لاحظ الخبراء أن النزاعات الطائفية ترتبط على نطاق واسع بالتوترات المحيطة بالقرارات المتعلقة بالخيارات المختلفة، والتي تتجلى أحيانًا في المواجهات بين القوى الاجتماعية. وبالتالي، يمكن توضيح طبيعة مثل هذه المنافسات، التي تؤدي إلى النزاع، من خلال كيفية تحديد وتأطير القضايا الناشئة عن مجموعة متنوعة من العلاقات الاجتماعية التنافسية. ويمكن أن يرتبط التوترات بمظالم قصيرة المدى أو طويلة المدى، بينما المظالم طويلة الأمد بشأن عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية قد تتحوّل إلى النزاع.

حالة ولاية بلاتو

إن ولاية بلاتو، التي تقع في الحزام الأوسط (أو وسط نيجيريا)، من الولايات النيجيرية التي تشتهر بـمجموعة متنوعة من المحاصيل الغذائية والخضروات والفواكه، مما يميزها عن الولايات النيجيرية الأخرى. وتعاني الولاية أزمات أمنية معقدة تذكيها الانقسامات الإثنية المتفاقمة بسبب التنافس على الأراضي، والتلاعب السياسي، وانتشار المعلومات المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وعلى مر السنين، عرفت الولاية بأنها أكبر منتج للبطاطس الأيرلندية في البلاد لخصبة أرضها لزراعة المحصول. ومع ذلك، شهدت نيجيريا ندرة البطاطس الأيرلنديين مؤخرا نتيجة انعدام الأمن والعنف في أجزاء من الولاية، مما أدى إلى خسائر في الأرواح وتدمير الممتلكات والأراضي الزراعية. وكانت النتيجة أن انخفض عدد المزارعين العاملين في زراعة المحصول بشكل كبير.

في غضون ذلك، أشارت “مصفوفة تتبع النزوح” التابعة لـ “المنظمة الدولية للهجرة” (IOM-DTM) إلى أنه في 24 ديسمبر 2023، اندلعت سلسلة من الهجمات المدمرة عبر العديد من المجتمعات في منطقة حكومة بوكوس المحلية (Bokkos Local Government Area) في ولاية بلاتو، مما أدى إلى الحاجة لمساعدة إنسانية عاجلة. واستهدف المهاجمون السكان المحليين، مما أدى إلى نزوح 1,868 أسرة و13,310 فردا، ومقتل 331 شخصًا وإصابة 153 شخصًا، بل وألحق أضرارًا بـ 1,190 ملجأ. هذا إلى جانب هجمات أخرى متكررة أجبرت معظم المزارعين على هجر مزارعهم، بينما فرّ آخرون من مجتمعاتهم إلى أماكن أكثر أماناً، وهو ما يجعل الذهاب إلى المزارع أقل اهتماماتهم المباشرة، حيث الاهتمام الأول هو سلامتهم. وهذا الوضع يعطل الزراعة في موسم الجفاف، وخاصة زراعة البطاطس الأيرلندية، التي باتت اليوم في حاجة إلى نظام الري.

حل الأزمة

مما لا شك فيه أن معالجة انعدام الأمن الغذائي في نيجيريا بحاجةٍ أولًّا إلى معالجة قضايا الأمن، والتي تشمل النزاعات الطائفية, وتعزيز آفاق السلام, وذلك للعلاقة الحميمة بين الأمن الغذائي والاستقرار الأمني. وهذه الآليات للحل يجب أن تشمل تدخلات محلية وإقليمية خاصة لحل النزاعات الخاصة في الأقاليم التي تعاني من الصراعات الطائفية، ووضع السياسات الفاعلة بشأن حقوق الملكية والأراضي، وأنظمة إدارة الثروة الحيوانية لمعالجة النزاعات بين الرعاة والمزارعين، والاستثمارات المستهدفة في بناء قدرة الأُسَر على الصمود. ومن شأن تعزيز الزراعة الجماعية للأراضي الزراعية المعيشية في الشمال أن تقلل بشكل كبير من الضغوط على الأغذية المتاحة التي سمحت بيئة التجارة العالمية باستيرادها إلى البلاد, وأن تحفز استقرار أسعار المواد الغذائية، والحد من الجوع، واستقرار الوضع الأمني ​​في الشمال والبلاد بشكل عام.

وتحتاج حكومة نيجيريا الفيدرالية، برئاسة الرئيس “بولا تينوبو”، إلى استجماع الشجاعة اللازمة لمعالجة أزمة انعدام الأمن بشكل دائم من خلال إنشاء لجنة فنية من أصحاب المصلحة لمراجعة “الخطة الوطنية لتحويل الثروة الحيوانية” (National Livestock Transformation Plan)، وذلك لإعادة تحديد مجالات الاهتمام وجعل الخطة أكثر ملاءمة للمستثمرين. وهذا إلى جانب توفير الحكومة الحوافز اللازمة وحشد أصحاب المصلحة في التنفيذ الفوري للخطة كأحد التدابير الحاسمة لحل الاشتباكات بين المزارعين والرعاة. وهناك مطالب شعبية موجهة للرئاسة النيجيرية ومجلس الولايات ومجلس الشرطة النيجيرية والجمعية الوطنية حول ضرورة تفعيل أعمال الشرطة اللامركزية وأنشطتها متعددة المستويات، والتي قد تؤدي إلى إنشاء شرطة الولايات والتي أصبحت مطلوبًا في معظم ولايات البلاد.

وأخيرا، يجب على “لجنة الحدود الوطنية” (National Boundary Commission)، بالتعاون مع قادة المجتمع المختلفين، أن تأخذ وقتًا لتتبع الحدود المجتمعية التقليدية ودراستها وإنشاء قاعدة بيانات محدثة لمنع الاشتباكات في المستقبل. ومن أجل إدارة النزاعات الطائفية الحالية المؤثرة في الأمن الغذائي، يتحتّم على الحكومة نشر عدد كاف من أفراد الأمن في الوقت المناسب في المناطق المتضررة من أجل وقف العنف، وتشكيل لجان سلام محلية أو إقليمية للتوسط بين المجتمعات المتحاربة، والتي تتألف من ممثلي الحكومة وقادة المجتمع وبعض أعضاء القرى أو المجتمعات المتضررة. إضافة إلى تنظيم الأنشطة المجتمعية التي تجمع بين الإثنيات والمجتمعات المختلفة، مثل الألعاب والرياضات، من أجل تعزيز ثقافة الوحدة والتعاون، إلى جانب مبادرات أخرى من “وكالة التوجيه والتوعية الوطنية” (National Orientation Agency) لتثقيف المجتمعات ضد صور النزاعات الطائفية وتداعياتها على تلك المجتمع وطرق حل الخلافات بشكل سلمي.

ظهرت المقالة النزاعات الطائفية في شمال نيجيريا وانعكاساتها على الأمن الغذائي للبلاد أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>
https://alafarika.org/ar/5804/%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%b2%d8%a7%d8%b9%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%a7%d8%a6%d9%81%d9%8a%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%b4%d9%85%d8%a7%d9%84-%d9%86%d9%8a%d8%ac%d9%8a%d8%b1%d9%8a%d8%a7-%d9%88%d8%a7%d9%86/feed/ 0 5804
إيران في أفريقيا: من الأيديولوجية الشيعية إلى التحالفات الاقتصادية https://alafarika.org/ar/5815/%d8%a5%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d9%81%d8%b1%d9%8a%d9%82%d9%8a%d8%a7-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%8a%d8%af%d9%8a%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a/ https://alafarika.org/ar/5815/%d8%a5%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d9%81%d8%b1%d9%8a%d9%82%d9%8a%d8%a7-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%8a%d8%af%d9%8a%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a/#respond Tue, 11 Jun 2024 12:48:49 +0000 https://alafarika.org/ar/?p=5815

كان وجود الجمهورية الإسلامية الإيرانية في أفريقيا على مر السنين مسألة أيديولوجية واقتصادية وأمنية, ومنذ عام 1979، تخطت علاقات إيران مع دول الجنوب العالمي, بما في ذلك الدول الإفريقية, إطار الأيديولوجية الخمينية لمناهضة الإمبريالية، إلى تصدير النموذج السياسي والديني الإيراني. وقد تطلب الطمح الإيراني التدخل أحيانا في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية لتنفيذ أجنداتها، وبناء شبكات من الجهات الفاعلة غير الحكومية، مثل الجهات الدينية والجمعيات الثقافية والشركات الواجهة.

ظهرت المقالة إيران في أفريقيا: من الأيديولوجية الشيعية إلى التحالفات الاقتصادية أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>

تعد أفريقيا موطنًا لخُمس سكان العالم، وتمتلك حوالي 30% من احتياطيات المعادن، و12% من النفط، و8% من الغاز الطبيعي، و50% من احتياطيات الذهب في العالم. وفي عام 2023، زار الرئيس الإيراني  -المتوفى حديثا- إبراهيم رئيسي الدول الأفريقية لتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية. وهذا نهج مختلف بالنسبة لدولة ركزت معظم اهتماماتها لسنوات على الشرق الأوسط وأجزاء من آسيا. ويبدو أن طهران، التي لا تزال تواجه عقوبات الولايات المتحدة، تتطلع الآن بشكل متزايد إلى أماكن أخرى لتنويع اقتصادها.

وقد كان الوجود الإيراني في أفريقيا على مر السنين مسألة أيديولوجية واقتصادية وأمنية. فمنذ عام 1979، حيث تتخطى علاقات إيران مع دول الجنوب العالمي إطار الأيديولوجية الخمينية لمناهضة الإمبريالية، إلى تصدير النموذج السياسي والديني الإيراني, والذي يتطلب التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأفريقية لنشر التشيع وأيديولوجيات طهران، وبناء شبكات من الجهات الفاعلة غير الحكومية، مثل المؤسسات الدينية والجمعيات الثقافية والشركات الواجهة. وقد أقامت إيران علاقات قوية مع العديد من البلدان الأفريقية؛ بعضها قديم والبعض الآخر جديد, حيث شاه إيران, محمد رضا بهلوي (حكم من 1941 حتى 1979)، حليف الولايات المتحدة، بدأ في النصف الثاني من القرن العشرين تطوير استراتيجية النفوذ تجاه أفريقيا. وفي وسط الحرب الباردة كان الهدف الإيراني ذي شقين: الأول وضع الحد لانتشار الشيوعية في أفريقيا، ومن قدمت الدعم السياسي والمالي للعديد من الدول الأفريقية (السودان وزائير (الكونغو الديمقراطية حاليا) والصومال وإثيوبيا والسنغال وجنوب أفريقيا)؛ والثاني تعزيز الوجود الإيراني في مياه الخليج والمحيط الهندي وحتى على سواحل شرق أفريقيا.

وباعتبار أن أفريقيا لم تكن على رأس جدول أعمال إيران، فإنه لم يكن لطهران أي وجود في القارة في ظل النظام البهلوي، باستثناء العلاقات مع الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي، ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والنظام الملكي المغربي، والرئيس المصري أنور سادات. وكانت هذه العلاقات جزءًا من العلاقات المؤيدة للولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفييتي. وبعد الثورة الإيرانية في عام 1979، قطعت إيران علاقاتها مع نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، وهي الخطوة التي استحسنها حزب المؤتمر الوطني الأفريقي عندما تولى السلطة في عام 1994. وقد فُرضت العزلة على إيران خلال العقد الأخير نتيجة برنامجها لتخصيب اليورانيوم. ونتيجة لذلك، سعت إيران إلى توسيع نفوذها في أفريقيا, وبذل الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد جهودًا كبيرة نحو ذلك، سعيا إلى توسيع علاقات طهران مع الدول الأفريقية, وذلك للتعويض عن تدهور علاقات إيران مع شركائها الاقتصاديين التقليديين في أوروبا وشرق آسيا. وحاولت إيران تأكيد نفوذها في أفريقيا من خلال اجتماعات ثنائية رفيعة المستوى وإنشاء شبكة علاقات مع العديد من الدول الأفريقية, وأدى أحمدي نجاد أكثر من ست رحلات إلى دول في غرب أفريقيا، وحصل بلاده على صفة مراقب في الاتحاد الأفريقي. وبذل أحمدي نجاد خلال فترة ولايته (2005-2013) جهودًا لتأسيس وجود إيراني في القارة الإفريقية من أجل موازنة النفوذ السعودي، ولتعزيز استراتيجية جنوب-جنوب في كل من أفريقيا وأمريكا اللاتينية.

رؤية النخبة السياسية الإيرانية

يعتقد المعسكر المحافظ الأوسع في إيران أن الرئيس الراحل روحاني أهدر الكثير من الوقت والطاقة في التركيز على الغرب في حين أن الولايات المتحدة وأوروبا واصلتا محاولة إضعاف طهران. وتحتاج الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تواجه العقوبات والعزلة منذ عام 1979، إلى إقامة علاقات جيدة مع أكبر عدد ممكن من الدول, بما في ذلك الدول الأفريقية التي يحتاج الكثير منها إلى التعاونات الاقتصادية والتي تسعد إيران بتقديمها لما ذلك من أهمية لطهران التي تحاول كسر عزلتها الاقتصادية والسياسية وتعزيز مصالحها الخاصة قدر الإمكان، وخاصة أن معظم البلدان الأفريقية لا تزال في مراحل تنموية ويوجد بها عدد كبير من الشباب, حيث أشارت الأرقام في عام 2015 أن 41% من السكان الأفارقة هم تحت سن 15 عاما، و19% آخرين تحت سن 24 عاما. ويبحث هؤلاء السكان عن فرص عمل لا تستطيع حكوماتهم توفيرها لهم بشكل كامل، وهذا يعني أن الاستثمار الخارجي هو المصدر الرئيسي لفرص العمل.

وتقليديا، شهدت إيران ما بعد الثورة توسيع العلاقات مع الدول غير الغربية كوسيلة لموازنة الضغوط التي يمارسها الغرب في شكل عقوبات بقيادة الولايات المتحدة أو جهود الاحتواء العسكري. وقد حددت القيادة الإيرانية التوجه الجيوسياسي في “النظر إلى الشرق” وجهودها لتعزيز العلاقات مع القوى الآسيوية مثل الصين وروسيا والهند كوسيلة رئيسية لمواجهة مثل هذه الضغوط. ومع ذلك، فإن أجزاء أخرى من العالم، وأبرزها أفريقيا وأمريكا اللاتينية، تشكل أيضًا جزءًا من هذه الاستراتيجية الإيرانية لتعزيز نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي من خلال تحويل تركيزها بعيدًا عن الغرب. ومع ذلك، صممت إيران عقيدة عسكرية ونهجاً في السياسة الخارجية من أجل إبقاء التهديدات ضدها بعيدة، بهدف تحييد الخصوم المحتملين قبل وصولهم إلى شواطئها. ولهذا الغرض، سعى القادة السياسيون والعسكريون في طهران بعناية إلى تعزيز العمق الاستراتيجي للبلاد في المناطق ذات الأهمية الحاسمة. وقد استلزمت هذه الاستراتيجية تعزيز القدرة العسكرية للبلاد وتنمية شبكة واسعة من العلاقات مع مجموعة واسعة من الشركاء الأجانب ذوي التفكير المماثل، بما في ذلك الجهات الفعالة الحكومية وغير الحكومية.

ويؤدي الاستثمار والمشاركة الأعمق في أفريقيا إلى زيادة مكانة إيران وشعبيتها بين السكان المحليين، كما يلبيان أيضًا المصالح الاقتصادية الإيرانية كسوق لصادراتها، متجاوزة العقوبات الاقتصادية، ويخدمان برنامجها النووي بسبب موارد اليورانيوم الغنية في أفريقيا, مع تعزيز رؤية إيران للعالم الإسلامي ومكانته العالمية الأوسع. هذا، وتوفّر مناطق معينة، مثل القرن الأفريقي وغرب أفريقيا، لإيران الفرصة لتوسيع شبكتها اللوجستية وإيجاد طرق بديلة للدعم المالي والعسكري والمادي للوكلاء والتوابع في الشرق الأوسط, مثل حزب الله في لبنان، وحماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في غزة. ويمنح النفوذ المعزز في أفريقيا وسيلة أخرى لإيران لتقليل مصالح أعدائها. وقد أشار البعض، كمثال على هذا, إلى اعتقالِ إيرانيَّين بحوزتهما مخبأ متفجرات يبلغ وزنه 33 رطلاً في كينيا عام 2012 بتهمة جمع معلومات استخباراتية من أجل التخطيط لمهاجمة أهداف أمريكية وإسرائيلية وسعودية وبريطانية.

الاستثمار في أفريقيا

لقد قام الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد  في عام 2013 بجولة في ثلاث دول بغرب إفريقيا، وهي بنين وغانا ونيجيريا. وبعد عشر سنوات، قام الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي بتحويل اتجاه بلاده إلى شرق أفريقيا وجنوبها من خلال زيارة كينيا وأوغندا وزيمبابوي، وهي أول جولة أفريقية يقوم بها زعيم إيراني منذ أكثر من عقد من الزمن. وتسلط هذه الرحلات الضوء على أهمية تنويع المصالح الاقتصادية والعلاقات السياسية، كما أنها تشكل جزءًا أوسع من استراتيجية جيوسياسية ضد الغرب التي تسعى إلى احتواء إيران، وتؤكد أن الموقف الدبلوماسي الإيراني الرسمي يضع أهدافا طموحة للغاية للتعاون الإيراني الأفريقي المتبادل.

ومع ذلك, هناك صعوبات واضحة في تنفيذ مشاريع التعاون الاقتصادي، وغالباً ما تظهر التوترات فيما يتعلق بأنشطة إيران الأيديولوجية والأمنية في القارة الأفريقية. وبحسب وزارة الخارجية الإيرانية، يتوقع أن ترتفع تجارة إيران مع الدول الأفريقية إلى أكثر من 2 مليار دولار في عام 2023، ارتفاعًا من رقم تقديري يتراوح بين 500 مليون دولار و1 مليار دولار في عامي 2021 و2022. ويمكن القول إن الهدف الإيراني الرسمي بزيادة التجارة مع القارة الإفريقية إلى 5 مليار دولار هدف ضئيل للغاية وأدنى من تجارة الإمارات العربية المتحدة البالغة 50 مليار دولار، وتجارة تركيا البالغة 35 مليار دولار مع أفريقيا. وتعدّ كينيا واحدة من أكبر مستوردي الشاي الإيراني, وهي أيضًا سوق محتملة للأدوية والبتروكيماويات الإيرانية، كما أنها شريكة أمنية استراتيجية مختص بمكافحة الأنشطة الإرهابية. وبالنسبة لزيمبابوي, تشكّل إيران حليفاً رئيسياً لتعزيز التنسيق السياسي في المنظمات الدولية, مثل حركة عدم الانحياز، ولتبادل التقدم العلمي والتكنولوجي وإيجاد أسواق جديدة.

وفي الوقت نفسه، قررت السلطات الإيرانية الاستثمار في مجموعات من الشركات القائمة على المعرفة (المعروفة باسم دانيش بنيان) ومبادرات للتحايل على العقوبات. وهذه الشركات عادة ما تكون منظمات خاصة تسعى إلى تسويق نتائج الأبحاث، خاصة في مجال الطب، وتحسين سلسلة الإمداد الغذائي، والميكنة الزراعية، وتوسيع إنتاجية المحاصيل. وبما أن هذه الشركات الصغيرة تابعة للقطاع الخاص ويرتبط مجال عملها بالمنتجات الإنسانية، فهي أقل عرضة للعقوبات.

واكتسب دور الشركات القائمة على العلم والمعرفة في التحايل على العقوبات أهمية أكبر في العامين الماضيين، مع انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي لعام 2015 وعدم رغبة الاتحاد الأوروبي في تعويض إيران عن خسائرها الاقتصادية. وباعتبار أن أفريقيا تكاد تكون سوقًا غير مستغلة في هذه المجالات، وأن العديد من البلدان الأفريقية تعتمد على الخدمات المستوردة في مجالات الطب والغذاء والزراعة، فإن هناك فرصة فريدة لإيران للاستفادة من تلبية احتياجات أفريقيا. وعلى سبيل المثال، افتتح “البيت الإيراني للابتكار والتكنولوجيا” (Iran House of innovation & Technology = iHiT) في كينيا في يناير من عام 2021، كما تهدف طهران أيضًا إلى إنشاء منطقة اقتصادية في البلاد.

علاوة على ذلك، في يونيو 2021، بدأ “مكتب متخصص لتصدير منتجات التكنولوجيا الحيوية الإيرانية” عمله في أوغندا. وصرح سفير إيران لدى الكونغو الديمقراطية أن ثاني أكبر دولة إفريقية ستكون الأولوية التالية لطهران، ودعا الشركات الإيرانية الناشئة والشركات القائمة على العلم والمعرفة للقدوم إلى الكونغو الديمقراطية. وقد وقعت جامعة طهران للعلوم الطبية اتفاقية مع المركز الأفريقي للتنمية الصحية في غانا للتعاون في مجال تكنولوجيا النانو الطبية.

وفي إشارة إلى منحة بقيمة 200 مليون يورو (235 مليون دولار) لدعم الصادرات إلى أفريقيا، قال فرزاد بيلتان، المدير العام لمكتب الدول العربية والإفريقية التابع لمنظمة ترويج التجارة الإيرانية: “في خطة مدتها ثلاث سنوات، نحن سنزيد صادرات إيران إلى القارة إلى 1.1 بليون دولار”. وتمثل هذه التطورات الأخيرة إشارة واضحة على عودة ظهور استراتيجية إيران في أفريقيا وجهودها لتعزيز علاقاتها الاقتصادية مع القارة.

توقعات

أرسلت إيران، في الآونة الأخيرة، طائرات بدون طيار وصواريخ باليستية متفجرة إلى إسرائيل، ليكون أول هجوم مباشر على عدوها القديم، على الرغم من أن الاثنين استهدفا بعضهما البعض عبر الوكلاء. وبينما أبدى العديد من القادة الدوليين مواقفهم تجاه القضية، فإن الكتلة القارية المتمثلة في الاتحاد الأفريقي تجاهلت التطور، إذ السياسة الإفريقية تجاه إسرائيل لم تكن ثابتة على الإطلاق. بل يُتوقع تأثّر مواقف العديد من الدول الأفريقية بحسب عمق علاقاتها التجارية وشراكاتها الاقتصادية مع إيران وإسرائيل. ومن المؤكد أيضا أن إيران ستحاول أخذ زمام المبادرة في معالجة الخلافات الكامنة في إفريقيا لإيجاد بعض نقاط الدخول والاحتفاظ ببعض التأثير على توسعاتها الجيوسياسية.

ويُتوقع أيضا انضمام المزيد من الدول الأفريقية إلى الصين وإيران وروسيا في إطار كتلة البريكس، بينما يراقب العالم الغربي بفضول وتخوف كيف ستعمل مجموعة البريكس وأفريقيا على إعادة تشكيل السياسة العالمية وتحدي ديناميكيات القوة المهيمنة.

ومع ذلك، يرى بعض المراقبين أن قلب الإرهاب والأصولية الإسلامية ينبض في طهران. لذلك، من أجل تعزيز الأمن العالمي، يجب على زعماء العالم زيادة الضغط على النظام الإيراني، وطرد عملاء إيران من بلدانهم، وإغلاق سفاراتهم وما يسمى بالمراكز الثقافية، وقطع أي تعاملات مالية مع النظام الإيراني. ويقول الخبراء أنه من المتوقع أن تتكثف الدبلوماسية الإيرانية في أفريقيا في السنوات المقبلة. والحقيقة أن أفريقيا تشكل بالنسبة للإدارة الإيرانية الحالية أولوية ومكاناً مميزاً لتهديد المصالح الغربية.

ظهرت المقالة إيران في أفريقيا: من الأيديولوجية الشيعية إلى التحالفات الاقتصادية أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>
https://alafarika.org/ar/5815/%d8%a5%d9%8a%d8%b1%d8%a7%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a3%d9%81%d8%b1%d9%8a%d9%82%d9%8a%d8%a7-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%8a%d8%af%d9%8a%d9%88%d9%84%d9%88%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a/feed/ 0 5815
أزمة شرق الكونغو الديمقراطية: أسبابها وأطرافها وجهود حلّها https://alafarika.org/ar/5800/%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%b4%d8%b1%d9%82-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%88%d9%86%d8%ba%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%85%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%b7%d9%8a%d8%a9-%d8%a3%d8%b3%d8%a8%d8%a7%d8%a8%d9%87%d8%a7/ https://alafarika.org/ar/5800/%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%b4%d8%b1%d9%82-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%88%d9%86%d8%ba%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%85%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%b7%d9%8a%d8%a9-%d8%a3%d8%b3%d8%a8%d8%a7%d8%a8%d9%87%d8%a7/#respond Sun, 12 May 2024 16:51:25 +0000 https://alafarika.org/ar/?p=5800

في حين يرى البعض أن الحل الوحيد للأزمة تنفيذ الاتفاقيات مع الجماعات الموقعة بين الحكومة والجماعات المتمردة؛ فقد كان موقف الآخرين أن للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على الأفراد أثرا ضعيفا مع تردد الدول الغربية في فرض عقوبات على رواندا، وأن الحل بيد كيغالي من خلال وقف دعمها لـ "حركة إم 23".

ظهرت المقالة أزمة شرق الكونغو الديمقراطية: أسبابها وأطرافها وجهود حلّها أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>

تقع جمهورية الكونغو الديمقراطية في وسط أفريقيا، حيث يحدها في الغرب الساحل الأطلسي القصير وجيب كابيندا الأنغولي، وجمهورية الكونغو (برازافيل)، وتحدها من الشمال جمهورية أفريقيا الوسطى وجنوب السودان، ومن الشرق أوغندا ورواندا وبوروندي وتنزانيا، وفي الجنوب الشرقي زامبيا، وفي الجنوب الغربي أنغولا، وإلى الغرب يوجد الساحل الأطلسي القصير للبلاد.

وتعدّ الكونغو الديمقراطية ثاني أكبر دولة في قارة إفريقيا (بعد الجزائر). وتقع عاصمتها كينشاسا على نهر الكونغو على بعد حوالي 320 ميلاً (515 كم) من مصبّه. وتتمتع البلاد بموارد طبيعية استثنائية، بما في ذلك المعادن مثل الكوبالت والنحاس، وإمكانات الطاقة الكهرومائية، والأراضي الكبيرة الصالحة للزراعة، والتنوع البيولوجي الهائل، وثاني أكبر غابة مطيرة في العالم.

وتشهد الكونغو الديمقراطية منذ استقلالها عن بلجيكا في عام 1960 حالات عدم الاستقرار الناتجة عن المعارك على السلطة، والتي بلغت ذروتها باغتيال الزعيم “باتريس لومومبا” والحكم العسكري الذي دام ثلاثة عقود تحت قبضة عهد “موبوتو سيسي سيكو”. وفي السنوات الأخيرة تصاعدت أعمال العنف والتي تشمل الاشتباكات بين الجماعات المسلحة على الأراضي والموارد الطبيعية، وعمليات القتل خارج نطاق القضاء على أيدي قوات الأمن، والعنف السياسي. وقد استقطبت الأزمة في شرق الكونغو الديمقراطية أكب الاهتمام في الشهور الأخيرة، حيث تشارك فيها عدة جبهات مسلحة وأطراف إقليمية، بما في ذلك رواندا وأوغندا المجاورتان. و قد أدت أعمال العنف والقتال إلى نزوح أكثر من 1.6 مليون شخص خلال العامين الماضيين.

أسبابها

تعود أزمة شرق الكونغو الديمقراطية إلى الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، حيث أعمال العنف واسع النطاق وحملة الإبادة ضد توتسي والمعتدلين من الهوتو دفعتا مليوني شخص إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية المجاورة، واستقر معظمهم في مخيمات اللاجئين في مقاطعتي شمال كيفو وجنوب كيفو. وكانت مجموعة صغيرة من الروانديين الذين دخلوا الكونغو الديمقراطية من متطرفي الهوتو وبدأؤا تنظيم الميليشيات داخل الكونغو الديمقراطية.

أدى ما سبق إلى وقوع حرب الكونغو الأولى في عام 1996، حيث غزت رواندا وأوغندا شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية في محاولة للقضاء على مرتكبي الإبادة الجماعية المتبقين الهاربين. وهذه المحاولة تزامنت مع انهيار الكونغو الديمقراطية نتيجة حكم موبوتو سيسي سيكو. وبالفعل تمكّن تحالفٌ مؤلّف من الجيشين الأوغندي والرواندي، إلى جانب زعيم المعارضة الكونغولية لوران ديزيريه كابيلا، من هزيمة موبوتو، وأصبح المعارض السياسي لوران كابيلا في مايو 1997 رئيسًا للكونغو الديمقراطية.

وقعت حرب الكونغو الثانية في عام 1998، حيث طلب لوران ديزيريه كابيلا من القوات الرواندية والأوغندية مغادرة شرق الكونغو الديمقراطية خوفًا من سيطرتهما على الإقليم الغني بالمعادن وضمّهما إياها إلى أراضيهما. وهذا القرار سمحت لجماعات الهوتو المسلحة بتنظيم نفسها على الحدود مرة أخرى، لترد رواندا بغزو الكونغو الديمقراطية بهدف معلن متمثل في إنشاء منطقة في المناطق الحدودية تسيطر عليها القوات الرواندية الخاصة لخلق مسافة أكبر من مليشيات الهوتو في شرق الكونغو الديمقراطية. وقد شارك في هذه الحرب أنغولا وناميبيا وزيمبابوي وإريتريا والسودان.

في عام 2001 اغتِيل الرئيس كابيلا وقُتِل، وعيّن ابنه جوزيف كابيلا رئيسًا للكنغو الديمقراطية. ووُضِعت سلسلة من الاتفاقات لتهدئة الأوضاع، بما في ذلك اتفاق أبريل 2002، واتفاق بريتوريا في يوليو 2002 بين رواندا والكونغو الديمقراطية، واتفاق لواندا بين أوغندا والكونغو الديمقراطية والذي أنهى الحرب رسميا حيث تولت الحكومة الانتقالية للكونغو الديمقراطية السلطة في البلاد في يوليو 2003. وتشمل الاتفاقات أيضا دمج بعض الحركات المسلحة في الجيش الوطني الكونغولي.

وفي عام 2008، تعاونت الكونغو الديمقراطية ورواندا للقضاء على “القوات الديمقراطية لتحرير رواندا” في مقاطعتي جنوب وشمال كيفو. كما أن رواندا اعتقلت زعيم “المؤتمر الوطني للدفاع عن الشعب” (CNDP)، و وضعته تحت الإقامة الجبرية كجزء من اتفاق كيغالي مع الكونغو الديمقراطية. بيما الفصيل المنشق من “المؤتمر الوطني للدفاع عن الشعب” والمفترض أن يندمج في الجيش الوطني الكونغولي تحوّل إلى جماعة متمردة جديدة باسم “حركة إم 23”.

أطراف الأزمة

تنشط أكثر من 200 جماعة متمردة مسلحة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية الغنية بالمعادن، ولكن أربعة حركات منها تعتبر الأكثر نشاطا في المنطقة، وهي:

  • “القوات الديمقراطية لتحرير رواندا” (FDLR): هي جماعة متمردة مسلحة تنشط في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية ومتكونة من إثنية الهوتو التي تعارض نفوذ التوتسي في رواندا. وتأسست نتيجة اندماج مجموعات من اللاجئين الروانديين في سبتمبر 2000، بما في ذلك “جيش تحرير رواندا” السابق (ALiR)، التي كانت نشطة في أواخر حرب الكونغو الثانية والصرعات اللاحقة في كيفو.
  • قوات “المؤتمر الوطني للدفاع عن الشعب” (CNDP): والتي تأسست من قبل مقاتلين سابقين من “التجمع الكونغولي من أجل الديمقراطية” –غوما” (RCD-G). ومن خلال “المؤتمر الوطني للدفاع عن الشعب” خرجت “حركة إم23” (M23) التي تتكون بشكل رئيسي من إثنية التوتسي، وتقاتل الجيش الكونغولي بعنف من أجل السيطرة على “غوما” والمنطقة المحيطة بها منذ سنوات عديدة.
  • “القوات الديمقراطية المتحالفة” (ADF): منظمة إرهابية تابعة لتنظيم داعش. وقد تأسست في عام 1996 في غرب أوغندا وزعمت في البداية أنها تقاتل من أجل إقامة دولة إسلامية في أوغندا حيث تتراوح نسبة بين 15 و35 بالمئة من السكان. وتوسعت لاحقا إلى الكونغو الديمقراطية المجاورة، حيث تنشط في مقاطعة شمال كيفو بالقرب من الحدود مع أوغندا. انقطعت الأخبار عن الحركة من عام 2001 حتى عام 2013 عندما عادت إلى الساحة لتواصل هجماتها الدامية إلى اليوم رغم جهود الجيش الأوغندي وحملات الجيش الكونغولي ضد مقاتليها.
  • قوات “تعاونية تنمية الكونغو” (CODECO)، التي تأسست في عام 1999 خلال حرب الكونغو الثانية، وتنشط في مقاطعة إيتوري بشرق جمهورية الكونغو الديمقراطية. وقد بدأت كتعاونية زراعية قبل أن تنخرط في الدفاع عن إثنية ليندو بدعوى أن الإثنية خاضعة لهيمنة غير عادلة من إثنية هيما. وسكنت الأخبار عن الجماعة قبل أن تعود في عام 2017 بشن هجمات، حيث واصلت منذ ذلك مهاجمة المدنيين المحليين وقوات الجيش الكونغولي، إضافة إلى استهداف مناجم الذهب وغيرها.

تتهم “حركة إم 23” السلطات الكونغولية بالفشل في مكافحة متمردي الهوتو الروانديين في شرق الكونغو الديمقراطية، والجماعات المسلحة الأخرى التي تشكل تهديدا للتوتسي الكونغوليين. وتتبادل رواندا والكونغو الديمقراطية تهمة دعم جماعة مسلحة في المنطقة, وخاصة “حركة إم 23” التي تتهم الكونغو الديمقراطية والأمم المتحدة والولايات المتحدة دولةَ رواندا بدعمها.

رواندا وأوغندا والطمع في موارد الكونغو

لقد اتهمت تقارير كثيرة كلا من أوغندا ورواندا بزعزة اسقرار الكونغو الديمقراطية في محاولة للسيطرة على الموارد الطبيعية في المنطقة. وقد كان الذهب في قلب الخلاف عند الحديث عن أزمة شرق الكونغو الديمقراطية والمستفيدين منها خاصة بين أوغندا ورواندا والكونغو؛ إذ الذهب مصدر مهم للعملة الأجنبية لرواندا، والنسبة الكبرى من ذلك الذهب يأتي من شرق الكونغو. وبحسب ورقة بحث من الكونغو؛ كانت نسبة صادرات رواندا من الذهب الكونغولي قبل أن يبدأ تمرد “حركة إم 23” هي 1 في المئة فقط في عام 2014، وارتفعت النسبة إلى 47 في المئة في عام 2020. وفي أوغندا أيضا ارتفعت النسبة وبلغت ذروتها في عام 2021 عندما شكل الذهب 56 المئة من صادرات البلاد.

وقد أشار الكثير من الكونغوليين إلى أن تصرّفات رواندا في شرق الكونغو الديمقراطية توحي بأن كيغالي تعتبر المنطقة جزءا من منطقة نفوذها. وفي خطوة مفاجئة لرواندا أرسلت أوغندا قواتها إلى شرق الكونغو الديمقراطية في هجوم مشترك مع الجيش الكونغولي ضد متمردي القوات الديمقراطية المتحالفة في نوفمبر 2021. وفي وجهة نظر الكثير من المحللين كانت هذه العملية وخاصة تدخّل أوغندا ما أدى إلى ظهور “حركة إم 23” (وليس عدم تنفيذ اتفاقية السلام من قبل الحكومة الكونغولية كما تزعم الحركة).

تجدد الأزمة والجهود لحلها

نفّذت “حركة إم 23” في عام 2012 هجومًا كبيرًا على غوما واستولت عليها، ولكنها طُرِدت من قبل قوة قوات خاصة تابعة للأمم المتحدة، وعادت مرة أخرى في عام 2022 بهجمات مكثفة وفرض ضغوطات على المدينة وسكانها. وتنسب الحركة عودتها إلى عدم تنفيذ اتفاق السلام الذي تم التفاوض عليه، بما في ذلك دمج “حركة إم 23” في الجيش الكونغولي. وقد اضطر أكثر من 100 ألف مدني إلى الفرار، مع تقدّم مقاتلي “حركة إم23” المتمردة نحو غوما عاصمة مقاطعة شمال كيفو، على الحدود مع رواندا وأوغندا. كما أنه منذ فبراير 2023 احتدم القتال العنيف بين الجيش الكونغولي ومقاتلي “حركة إم 23”.

وقد استضاف الرئيس الأنغولي جواو لورينسو قمة مصغرة في أديس أبابا في فبراير الماضي لإحياء جهود السلام، حيث شارك فيه الرئيسان الكونغولي فيليكس تشيسكيدي والرواندي بول كاغامي، ورؤساء دول آخرون. ومع ذلك، يفيد تجدد الصراع إلى أن المؤتمر لم يترك سوى أثر ضئيل للحد من التوترات ودفع جهود إنهاء الأزمة.

أما “بعثة منظمة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في جمهورية الكونغو الديمقراطية” (MONUSCO) التي أنشأها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في القرارين 1279 (عام 1999) و1291 (عام 2000) لمراقبة عملية السلام في حرب الكونغو الثانية؛ فقد بدأت عملية الانسحاب من البلاد في فبراير 2024، بعد طلب حكومة الكونغو الديمقراطية في عام 2023 من البعثة وقوات “مجموعة شرق إفريقيا” (East African Community) مغادرة البلاد. بل في حالة قوات “مجموعة شرق إفريقيا”؛ فقد غادرت البلاد بعدما قررت حكومة الكونغو الديمقراطية عدم تجديد ولاية القوة الإقليمية بعد انتهاء صلاحيتها في 8 ديسمبر 2023، حيث اتّهمها الرئيس فيليكس تشيسكيدي بعدم الفعالية والتواطؤ مع المتمردين.

وفي 15 ديسمبر 2023 نُشِرَت “بعثة الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي في جمهورية الكونغو الديمقراطية” (SAMIDRC) في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتضم جنودًا من جنوب أفريقيا وتنزانيا ومالاوي. وبعد نشر البعثة تصاعدت المخاوف من أنها قد يدخل دول إفريقيا الجنوبية في صراع مباشر مع رواندا المتهمة بالسبب الرئيسي لأزمة شرق الكونغو الديمقراطية.

وفي حين يرى البعض أن الحل الوحيد للأزمة تنفيذ الاتفاقيات مع الجماعات الموقعة بين الحكومة والجماعات المتمردة؛ فقد كان موقف الآخرين أن للعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على الأفراد أثرا ضعيفا مع تردد الدول الغربية في فرض عقوبات على رواندا، وأن الحل بيد كيغالي من خلال وقف دعمها لـ “حركة إم 23”.

ظهرت المقالة أزمة شرق الكونغو الديمقراطية: أسبابها وأطرافها وجهود حلّها أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>
https://alafarika.org/ar/5800/%d8%a3%d8%b2%d9%85%d8%a9-%d8%b4%d8%b1%d9%82-%d8%a7%d9%84%d9%83%d9%88%d9%86%d8%ba%d9%88-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%85%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%b7%d9%8a%d8%a9-%d8%a3%d8%b3%d8%a8%d8%a7%d8%a8%d9%87%d8%a7/feed/ 0 5800
ماذا بعد طرد النيجر القوات الأمريكية من أراضيها؟ https://alafarika.org/ar/5792/%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%b7%d8%b1%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%8a%d8%ac%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d9%85/ https://alafarika.org/ar/5792/%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%b7%d8%b1%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%8a%d8%ac%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d9%85/#respond Sun, 12 May 2024 16:21:47 +0000 https://alafarika.org/ar/?p=5792

في الآونة الأخيرة، ألغى المجلس العسكري الحاكم في النيجر اتفاقية عسكرية تسمح للأفراد العسكريين والموظفين المدنيين من وزارة الدفاع الأمريكية بالتواجد على أراضيها. وذكر الجيش أن القرار، الذي يدخل حيز التنفيذ على الفور، يأتي في أعقاب الزيارة الأخيرة التي قام بها بعض كبار المسؤولين الأمريكيين. واتهم المجلس الوطني لحماية الوطن في النيجر الوفد الأمريكي بعدم اتباع الإجراءات الدبلوماسية. وتمحورت المفاوضات حول التحول العسكري الحالي في النيجر، والتعاون العسكري بين البلدين واختيار النيجر لشركائها في الحرب ضد المسلحين، وخاصة روسيا وإيران، وكذلك من خلال العقوبات التخويفية.

ظهرت المقالة ماذا بعد طرد النيجر القوات الأمريكية من أراضيها؟ أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>

إعداد: أويباميجي أديسوجي – باحث لدى الأفارقة للدراسات والاستشارات

نقله إلى العربية (بتصرّف): أحمد عبد الرحيم البدوي

النسخة الانجليزية من المقال متوفرة هنا

تلعب النيجر دورًا مهمًا في العمليات العسكرية الأمريكية في منطقة الساحل الإفريقي، وهي موطن لقاعدة جوية رئيسية. غير أن التصريحات الأخيرة للقيادة العسكرية للبلاد ضد الترتيبات العسكرية الأمريكية وطلب المساعدة من روسيا وإيران قد تتخذ منعطفًا جديدًا مع استمرار تدهور الأمن في منطقة الساحل مع مرور الوقت.

فالنيجر مستعمرة فرنسية سابقة، ويحدها من الشمال الغربي الجزائر، ومن الشمال الشرقي ليبيا، ومن الشرق تشاد، ومن الجنوب نيجيريا وبنين، ومن الغرب بوركينا فاسو ومالي. ولكن على الرغم من المكاسب الأخيرة التي تحققت في العقد الماضي للتغلب على التحديات المعقدة التي تواجه البلاد، فإن عدم الاستقرار الإقليمي الناجم عن التوسع العسكري والمشاركة العسكرية في الحكم السياسي ساهم في تدهور الوضع. ويؤكد الحجم المتواضع لقوة الدفاع في البلاد على جهودها في مكافحة الإرهاب، كما يفعل العجز في الميزانية، والتنسيق غير الفعال بين الأجهزة الأمنية، وعدم الاستقرار في غرب أفريقيا.

وكانت الولايات المتحدة مساهمًا كبيرًا في المساعدات التي تعتمد عليها النيجر قبل الانقلاب العسكري في العام الماضي الذي وقع في 26 يوليو عندما اعتقل جنود متمردون الرئيس محمد بازوم في مقر إقامته الرسمي بالعاصمة نيامي. وأعلنوا أنهم استولوا على السلطة في انقلاب بسبب تدهور الوضع الأمني ​​في الدولة الواقعة في غرب إفريقيا. ويقول المحلّلون إنه على الرغم من أن العقوبات الإقليمية والدولية لإجبار المجلس العسكري على التراجع عن انقلابه قد ضغطت على البلاد، إلا أنها شجعت أيضًا الحكومة العسكرية التي تعزّز قبضتها على السلطة أكثر وتسعى إلى شراكات جديدة.

وبعد بضعة أشهر من الاستيلاء على السلطة، طلب القادة العسكريون في النيجر انسحاب القوات الفرنسية. لكن الولايات المتحدة أبقت على قاعدة للطائرات بدون طيار في منطقة أغاديز في الشمال تضم ألف جندي، ربما لأن القوات الأمريكية، خلال رئاسة بازوم، قامت بتدريب القوات النيجيرية على مكافحة الإرهاب. كما أن إدانة المجتمع الدولي القوية للانقلاب، ولا سيما من قبل فرنسا والاتحاد الأوروبي، قوبلت بغضب من القادة العسكريين وأدت إلى انسحاب قوات مكافحة التمرد الفرنسية من النيجر. وقد أشار القادة العسكريون في وقت لاحق أيضًا إلى أنهم سوف يلغون قانون مكافحة تهريب البشر إلى ليبيا. وحتى الآن، تواصل النيجر محاربة الجماعات المسلحة.

الوجود العسكري الأمريكي في النيجر

تظل النيجر واحدة من أكثر الدول مرونة في غرب إفريقيا وشريكة مهمة للولايات المتحدة منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في عام 1960. وكذلك، تدعم المساعدة التي تقدمها الحكومة الأمريكية كل جانب من جوانب برامج تحقيق الاستقرار في النيجر. وقد بدأ الجيش الأمريكي في السنوات الأخيرة تشغيل قاعدة جوية رئيسية في مدينة أغاديز بالنيجر، على بعد حوالي 920 كيلومترا من نيامي، ويستخدمها لرحلات المراقبة وغيرها من العمليات. ومنذ عام 2018، تُستخدم هذه القاعدة لاستهداف المتمردين الإرهابيين في منطقة الساحل. وهذا يظهر مدى نشاط الولايات المتحدة فيما يتعلق بالترتيبات الأمنية في النيجر. وقد ذكر التقرير أن الولايات المتحدة وفرنسا كان لديهما أكثر من 2500 جندي في المنطقة قبل زمن قليل، واستثمرتا مع دول أوروبية أخرى مئات الملايين من الدولارات في المساعدة والتدريب العسكريين. لكن ذلك تغير في يوليو/تموز 2023 عندما أطاح جنود متمردون برئيس البلاد المنتخب ديمقراطيا، وبعد أشهر طلبوا المغادرة من القوات الفرنسية، بينما كان لا يزال لدى الجيش الأمريكي نحو 650 فردًا يعملون في النيجر في ديسمبر/كانون الأول. ومع ذلك، ظلت القوات هناك غير نشطة إلى حد كبير منذ الانقلاب، حيث تم إيقاف تشغيل معظم طائراتها بدون طيار باستثناء مهام المراقبة الجوية للمساعدة في حماية الأمريكيين. وفي وقت لاحق من شهر ديسمبر، قالت الولايات المتحدة إن البلاد مستعدة لإعادة المساعدات والعلاقات الأمنية إذا استوفت النيجر شروطًا معينة.

لماذا ألغت نيامي الاتفاق العسكري مع واشنطن؟

في الآونة الأخيرة، ألغى المجلس العسكري الحاكم في النيجر اتفاقية عسكرية تسمح للأفراد العسكريين والموظفين المدنيين من وزارة الدفاع الأمريكية بالتواجد على أراضيها. وذكر الجيش أن القرار، الذي يدخل حيز التنفيذ على الفور، يأتي في أعقاب الزيارة الأخيرة التي قام بها بعض كبار المسؤولين الأمريكيين. واتهم المجلس الوطني لحماية الوطن في النيجر الوفد الأمريكي بعدم اتباع الإجراءات الدبلوماسية. وتمحورت المفاوضات حول التحول العسكري الحالي في النيجر، والتعاون العسكري بين البلدين واختيار النيجر لشركائها في الحرب ضد المسلحين، وخاصة روسيا وإيران، وكذلك من خلال العقوبات التخويفية.

وأيضا، بما أن اتفاقية استخدام قاعدة الطائرات بدون طيار لمدة عشر (10) سنوات، ستنتهي في عام 2024، قد يعتقد الحكام العسكريين أن هذه هي أفضل لحظة للنيجر للتراجع عن الارتباط العسكري مع الأمريكيين من خلال عدم تجديد اتفاقية استخدام القاعدة، حسب رأي المحللين، لأنه من غير المؤكد ما سيحدث في قاعدة الطائرات بدون طيار الآن بعد أن قطعت الدولة المضيفة علاقاتها الدبلوماسية مع واشنطن. ومع ذلك، ردت الولايات المتحدة بعدم استبعاد استمرار الوجود العسكري في النيجر، على الرغم من بيان المجلس العسكري الحاكم في البلاد.

وكشفت التقارير الإعلامية في واشنطن أن المسؤولين الأمريكيين حاولوا منذ أشهر إنقاذ العلاقات مع المجلس العسكري وعكس مساره. ومع ذلك،كان البنتاغون يخططون لأسوأ الحالات الطارئة إذا فشلت المحادثات. وقد بدأت وزارة الدفاع تناقش مع العديد من دول غرب إفريقيا الساحلية إنشاء قواعد جديدة للطائرات بدون طيار، كنسخ احتياطية للقاعدة في النيجر. وأشاروا أيضًا إلى أن بعض أفراد القبعات الخضراء بالجيش الأمريكي يقومون بتدريب القوات المحلية في دول مثل بنين.

النفوذ الروسي والإيراني

من المؤكد أن العلاقات العميقة بين النيجر وروسيا، كانت مصدر قلق رئيسي للولايات المتحدة وحلفائها في الغرب. وقد وقّع البلدان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون الدفاعي في ديسمبر 2023. كما أن أحد أسباب تحول النيجر نحو روسيا، بصرف النظر عن خفض التمويل، هو عدم رغبة الولايات المتحدة في تزويد النيجر بالأسلحة اللازمة لمحاربة التمرد، حتى أن مجموعة فاغنر، قوات المرتزقة الروسية، كانت واحدة من أولى مصادر المساعدة التي تواصل معها القادة العسكريون في النيجر للحصول على الدعم عندما واجهوا تدخلًا عسكريًا محتملاً من الكتلة الإقليمية لغرب إفريقيا، المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (ECOWAS) في محاولة لردع الانقلاب.

وفي المقابل، قال مسؤول أن جزءًا من النداء الموجه للنيجر هو أن روسيا يمكن أن تعرض بيع أسلحتها ومعداتها دون نفس الشروط الأمريكية لاحترام حقوق الإنسان والالتزام بالقانون الدولي الذي تدعو إليه الولايات المتحدة. وبالنسبة لدولة تبحث عن إمدادات فورية من المعدات العسكرية، فإن روسيا قادرة على بيع أسلحتها بسرعة أكبر بكثير من الولايات المتحدة. وأضاف مسؤول آخر أن روسيا تستفيد في المقابل من الموارد الطبيعية في المنطقة، بما في ذلك مناجم الذهب في النيجر.

خاتمة

من المتفق عليه بين معظم المراقبين أن قرار المجلس العسكري بإلغاء الاتفاق العسكري سيكون ضارًا للمصالح الأمريكية والنفوذ الغربي في الساحل, وخاصة في أعقاب سلسلة الانقلابات في المنطقة، بما في ذلك مالي وبوركينا فاسو، وبسبب التأثيرات المتزايدة لروسيا والصين في القارة. ومع ذلك، فإن ميل الدولة إلى روسيا والصين وإيران يجعل الولايات المتحدة بحاجة إلى تغيير نهجها حتى لا تفقد هذه الشريكة الاستراتيجية في الساحل. بل ويعني أن الولايات المتحدة بحاجة إلى بدء الحوار والعلاقات الدبلوماسية التي من شأنها تعزيز المصالح الوطنية ​​في النيجر، وتبنّي النهج الذي يعزز الأجندات النيجرية لمكافحة الجماعات الإرهابية على أراضيها.

ورغم ما يكرره خبراء الأمن بأن تعليق الولايات المتحدة لأنشطتها العسكرية قد يجعل النيجر عرضة للخطر ورغم التنديدات الغربية بالقرب من روسيا؛ فقد أثبتت النجاحات الاخيرة التي تحرزها مالي بأنها دول الساحل وغرب إفريقيا قادرة على معالجة تحديات انعدام الأمن في حالة وجود إرادة حقيقية ومبادرات واقعية لدى شركائها.

ظهرت المقالة ماذا بعد طرد النيجر القوات الأمريكية من أراضيها؟ أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>
https://alafarika.org/ar/5792/%d9%85%d8%a7%d8%b0%d8%a7-%d8%a8%d8%b9%d8%af-%d8%b7%d8%b1%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%8a%d8%ac%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%88%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d8%b1%d9%8a%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d9%85/feed/ 0 5792
صعود “باسيرو ديوماي فاي” وديناميكيات التغيير في رئاسيات السنغال لعام 2024 https://alafarika.org/ar/5764/the-rise-of-bassirou-diomaye-faye-and-the-dynamics-of-change-in-senegals-2024-presidential-election/ https://alafarika.org/ar/5764/the-rise-of-bassirou-diomaye-faye-and-the-dynamics-of-change-in-senegals-2024-presidential-election/#respond Sat, 04 May 2024 08:33:22 +0000 https://alafarika.org/ar/?p=5764

إن ظهور "باسيرو ديوماي فاي" كرئيس منتخب، دون خبرة سابقة في القيادة التنفيذية، يمثّل فصلاً جديدًا في تاريخ السنغال السياسي. وتجسد رحلتُه من مفتش ضرائب إلى أعلى منصب في البلاد، وسط المعارك القانونية والافتقار إلى الاستمالة السياسية التقليدية، مرونةَ المثل الديمقراطية في السنغال والطبيعة المتطورة لمشهدها السياسي.

ظهرت المقالة صعود “باسيرو ديوماي فاي” وديناميكيات التغيير في رئاسيات السنغال لعام 2024 أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>

إعداد: بالوغون كاميلو ليكان – باحث لدى الأفارقة للدراسات والاستشارات

نقله إلى العربية (بالتصرّف): أحمد عبد الرحيم البدوي

في تحوّل ملحوظ للأحداث، تمت إعادة تشكيل الساحة الانتخابية في السنغال مع صعود الوافد الجديد “باسيرو ديوماي فاي”، مما يمثل تحوّلا كبيرا في التاريخ السياسي للبلاد.

وقد جرت انتخابات 24 مارس 2024م، وسط خلفية من التشويق السياسي والاضطرابات العامة، مما شكّل تحدياً لصورة السنغال التي ظلت قائمة لفترة طويلة كمنارة للاستقرار في غرب أفريقيا. ويبشّر بعصر جديد الختام السلمي للانتخابات، الذي شهد تنازل الحزب الحاكم (التحالف من أجل الجمهورية) أمام “فاي”، مرشح المعارضة، الذي بلغ من العمر 44 عامًا.

فالسنغال، البلد الذي يبلغ عدد سكانه 17 مليون نسمة ويتمتع بمشهد سياسي نشط مع أكثر من 300 حزب سياسي؛ تمّت الإشادة بها منذ فترة طويلة باعتبارها منارة للديمقراطية في غرب أفريقيا. وأكسبتها سمعتها كدولة ديمقراطية مستقرة هتّافات وشراكات من الغرب، وعلاقات تجارية مع الصين. وعلى النقيض من الدول المجاورة لها مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو وغينيا، حيث استولت حكومات المجلس العسكري مؤخرًا على السلطة من خلال الانقلابات العسكرية؛ حافظت السنغال على سجل رائع, ولم تشهد أبدًا انقلابًا عسكريًا أو دكتاتورية على النمط المعتاد في دول إفريقية أخرى, منذ حصولها على الاستقلال عن فرنسا عام 1960م.

وبتولّي “فاي” منصب القيادة؛ فإن صعوده من مفتّش ضرائب إلى أعلى منصب، والتغلب على السجن والمحن السياسية، يلخص القوى الديناميكية التي لعبت دورها في ديمقراطية السنغال. وهذا المقال يتعمق في ديناميكيات التغيير المعقدة التي دفعت “فاي” إلى الصدارة في الانتخابات الرئاسية لعام 2024م، ومهد الطريق لما قد يكون قيادة تحويلية في منطقة لا يزال فيها السعي إلى الديمقراطية الدائمة يمثّل تحديًا كبيرا.

مقدمة الانتخابات: اختبار للمرونة الديمقراطية

لم يكن الطريق إلى الانتخابات الرئاسية لعام 2024م خاليًا من التحديات، حيث صمت الرئيس السابق “ماكي سال” بشأن ترشحّه لولاية ثالثة، على الرغم من الحدود الدستورية لفترات الولاية، أدى إلى تصاعد الضغوط والاحتجاجات. ومع ذلك، طغت على قراره النهائي بعدم الترشح محاولات تأجيل الانتخابات، مما أثار المزيد من الاضطرابات وانتشار التكهنات.

ويمثل فوز “فاي” تحولا كبيرا في المشهد السياسي في السنغال، خاصة بالنظر إلى سجنه قبل أيام قليلة من الانتخابات، إلى جانب مرشده “عثمان سونكو” الذي هو كذلك شخصية بارزة مُنِعَ من الترشح وشُتِّت حزبه (الوطنيون الأفارقة في السنغال من أجل العمل والأخلاق والأخوة؛ PASTEF).

وبينما كان “عثمان سونكو”, وهو مفتش ضرائب آخر, تحول إلى شخصية سياسية ووجهاً للمعارضة في البداية، فقد حوّل سجنه بتهمة التشهير الأنظار إلى “فاي”. وعلى الرغم من سجن “سونكو”، كان لموقفه المناهض للفساد ومناشدته للشباب المحرومين, أولئك الذين خلّفهم النمو الاقتصادي في السنغال, صدى عميقٌ. وأدى تأييده لـ “فاي”, الذي عيّنه خلَفه السياسي، إلى إعادة توجيه الزخم نحو “فاي”، ونتج في موجة كبيرة من الدعم من مختلف الطبقات المجتمعية.

ومن عجيب المفارقات أن الطفرة الاقتصادية التي شهدتها السنغال قبل فيروس كورونا (كوفيد-19)، والتي حظيت بإشادة دولية، زرعت بذور السخط بين الشباب؛ لأن هذا النمو المثير للإعجاب لم يترجم إلى فرص عمل ملموسة، مما أدى إلى بقاء 3 من كل 10 شباب سنغاليين عاطلين عن العمل. وأصبحت هذه المفارقة بين نجاح الاقتصاد وانعكاساته على الواقع نقطة تجمع للمعارضة، مع ظهور “فاي” كتجسيد للوعد بمستقبل اقتصادي أكثر شمولا وأيقونة للأمل للشباب في السنغال.

“باسيرو ديوماي فاي”: الرئيس غير المتوقع للسنغال

برز “باسيرو ديوماي فاي”، وهو شخصية غير معروفة نسبياً في الساحة السياسية الوطنية إلى أن دفعته الأحداث الأخيرة إلى مسرح الأنظار، كرئيس منتخب للسنغال في تحول ملحوظ للأحداث. ومما لا شك فيه أن رحلته من زنزانة السجن إلى أعلى منصب في البلاد تجسد المجال المضطرب للسياسة السنغالية والتطلعات القوية لشعبها من أجل التغيير.

وُلد فاي عام 1980م في قرية ندياغانياو الواقعة في غرب وسط السنغال. ولم يكن طريق “فاي” إلى الشهرة السياسية تقليديًا على الإطلاق, إذ جعلته حياته المهنية كمفتش ضرائب على اتصال مع “سونكو” الذي اشتهر بحملته ضد الفساد وشعبيته بين الشباب الذين لعبوا معًا أدوارًا محورية في تشكيل نقابة عمال ووضع الأساس لمستقبلهم السياسي.

قاد نشاط “فاي” رحلته السياسية إلى اتخاذ منعطف دراماتيكي في أبريل 2023 عندما قُبِض عليه بِتُهَم تتراوح بين نشر أخبار كاذبة والتشهير بهيئة مشكَّلة، بسبب منشور على وسائل التواصل الاجتماعي انتقد فيه الحكومة. وأدى سجنه إلى جانب “سونكو” إلى إثارة غضب أنصارهما ضد الحكومة وأشعل احتجاجات واسعة النطاق ضد إدارة الرئيس “ماكي سال”، مع اتهامها بالفساد وإهمال الفقر المدقع والمؤثّر بشدة على حياة السنغاليين.

وعلى الرغم من مواجهة الشدائد، ظل عزم “فاي” ثابتًا؛ إذ أُطلِق سراحه (هو وسونكو) من السجن في 14 مارس 2024م (أي قبل أيام من الانتخابات) نتيجة مشروع قانون عفو للسجناء السياسيين من قبل الحكومة لتهدئة الاضطرابات الاجتماعية والسياسية. وبدعم من “سونكو” الذي سُدّ أمامه أبواب التنافس في الانتخابات, وبتأييد من حزب “PASTEF” المشتَّت، دخل “فاي” السباق كمرشّح مستقل، وحصل على قوة جذب كبيرة بين المنتخبين المحبطين, وخاصة الشباب.

ومما لا شكّ فيه أن “فاي” استفاد من استياء المنتخبين الشباب الذين يعانون من ارتفاع معدلات البطالة, وضرب على وتر حساس لدى الكثيرين الذين شعروا بالتهميش بسبب الوضع الراهن. وقد أرسى هذا الأساس لوعود حملته الانتخابية بمعالجة قضايا الفساد والفقر التي طال أمدها مع الدخول في عصر جديد من الحكم الشامل.

سباق متعدد الأوجه

كشفت الانتخابات الرئاسية لعام 2024 في السنغال عن كونها واحدة من أكثر المسابقات الانتخابية حيوية وتنوعًا في تاريخ البلاد، حيث قدم 93 مرشحًا ترشيحاتهم في البداية, ولكن في نهاية المطاف تقلص السباق إلى 19 متنافسًا مثّلوا نطاقًا واسعًا من الأيديولوجيات والتطلعات السياسية.

وإلى جانب “فاي” الذي خرج منتصرا بين المتنافسين بحصوله على أكثر من 54.28% من الأصوات في الانتخابات الرئاسية في السنغال، برز “أمادو با” كشخصية بارزة دعمها الرئيس السابق “سال” لتمثّل استمرارا لسياسات الحكومة السابقة. وعكس ترشيح “با” أيضا الجدل الدائر حول مسار الحكم في السنغال ودور شاغل المناصب العليا في تشكيل النتائج الانتخابية التي تأخر ظهوره.

ومع ذلك، لم تكن الشخصيات السياسية الراسخة تهيمن على المجال الانتخابي فحسب، بل شهد المشهد أيضًا “محمد بن عبد الله ديون”، رئيس الوزراء السابق الذي نصب نفسه “رئيسًا للمصالحة”، داعيًا إلى الوحدة والتماسك في بيئة سياسية مستقطبة. وعلى نحو مماثل، جلب “خليفة سال”، الذي تولى منصب عمدة داكار مرتين، خبرته الواسعة في إدارة البلديات إلى المسرح الوطني، حيث قدم منظوراً فريداً للتنمية الحضرية والمشاركة الشعبية. ومن الجدير بالذكر أن رائدة الأعمال “أنتا بابكر نغوم” برزت باعتبارها المرشحة الوحيدة وصوّرت ترشيحها من أجل الشمولية ليشكل تمثيلاً جنسانياً.

التحديات والفرص

في أعقاب الانتصار الانتخابي الذي حققه “باسيرو ديوماي فاي”، تقف السنغال عند منعطف محوري، حيث تستعد للتغيير التحويلي تحت قيادته. وإن فوزه الساحق يعكس بوضوح إحباط الشباب وتحريضهم على التغيير الثوري والإغاثة.

وفي حين يعاني الشباب السنغالي، مثل كثيرين في مختلف أنحاء أفريقيا، من الإحباط إزاء القادة الذين يُنظر إليهم على أنهم منفصلون عن الأولويات المحلية ومتشابكون مع المصالح التجارية؛ فإن صعود “فاي” يشكل منارة أمل في مستقبل أكثر إشراقا, وخاصة أن حملته الانتخابية، التي تجاوبت مع تطلعات الشباب، تعهدت بالإصلاح الاقتصادي واتخاذ تدابير لمكافحة الفساد، ومعالجة التحديات النظامية التي أعاقت تقدم السنغال.

وقد كانت المفارقة بين الإمكانات الاقتصادية والواقع واضحة، وهو ما يتجسد في الوعود المُخلَفة بشأن احتياطيات النفط والغاز قبالة سواحل السنغال وسياسات التحرير الفاشلة في قطاع مصايد الأسماك. وعلى الرغم من المؤشرات المشجعة, مثل النمو الاقتصادي القوي وانخفاض نسبة الفقر، فإن هناك نسبة متزايدة من الشباب السنغاليين الذين ينطلقون في رحلات محفوفة بالمخاطر إلى أوروبا، بعد خيبة أملهم بسبب الافتقار إلى الفرص في الوطن.

علاوة على ذلك، تتمتع النساء، باعتبارهن العمود الفقري لقطاع الخدمات في السنغال، ويمثلن 75% من السكان، بنفوذ كبير في تشكيل المشهد السياسي في البلاد.

وقد تولى “فاي” منصبه في الثاني من أبريل 2024، ليصبح أصغر رئيس في أفريقيا, في الوقت الذي تقف السنغال على مفترق طرق. وقد أكّد في خطاب تنصيبه ضرورة التزامه بالمبادئ التي دفعته إلى السلطة, قائلا: “أتعهّد بالحكم بالتواضع والشفافية، ومحاربة الفساد على كافة المستويات، وأتعهّد بتكريس نفسي بالكامل لإعادة بناء مؤسساتنا”.

ومن الناحية الاقتصادية؛ تفضّل رؤية “فاي” للسنغال الخروج عن الماضي، مع التركيز على إعادة التفاوض على عقود النفط والغاز مع الشركات الدولية لإعطاء الأولوية للمصالح الوطنية ودعم الشركات المحلية. ويعكس هذا الموقف تصميمه على تأكيد سيادة السنغال على مواردها الطبيعية والتحرر مما سمّته حملته “الاستعباد الاقتصادي”.

وقد أوضح “فاي”, قائلا: “رغم أن إصلاح العملة يظل يشكل أولوية، فإنني أتفهم الحاجة إلى التحلي بالحس العملي, وسوف نسعى إلى الإصلاح داخل منظمة الإيكواس”، معترفًا بتعقيدات الديناميكيات الإقليمية وأهمية المبادرات التعاونية.

وفي وجهة نظر “أليكس فاينز” من معهد “تشاتام هاوس”؛ كان “فاي أكثر واقعية بكثير في حياته الخاصة ويعرف أنه بحاجة إلى تحسين حالة الاقتصاد وجذب المزيد من الاستثمار. فهو ملتزم بإصلاح العملة لكنّه لن يتخذ قرارات متسرعة”.

فإن الاعتماد على تحذيرات وكالة “إس أند بي جلوبال” للتصنيف الائتماني العالمي يعني أن التحديات تلوح في الأفق, حيث أعربت الوكالة عن مخاوفها بشأن نقص التواصل فيما يتعلق بالسياسات المالية والاقتصادية، محذرة من أن ذلك قد يؤثّر على الجدارة الائتمانية للسنغال. وبالإضافة إلى ذلك, قد يؤدّي تركيز “فاي” على تدابير مكافحة العفونة إلى توتر سياسي، ما قد يؤدي إلى ردع الاستثمار الدولي وإعاقة النمو الاقتصادي. وهذا يسلط الضوء على حاجة “فاي” لتحقيق التوازن الدقيق في سعيه للإصلاح.

خاتمة

يمثّل ظهور “باسيرو ديوماي فاي” كرئيس للسنغال، دون خبرة سابقة في القيادة التنفيذية، فصلاً جديدًا في تاريخ السنغال السياسي. وبتوليه منصب الرئاسة يواجه عدة تحديات مع تركيز الأمة السنغالية والمجتمع الدولي أعينهم على كيفية تعامله مع تعقيدات الحكم، بدءًا من التنشيط الاقتصادي وحتى الإصلاح المؤسسي. ومن الواضح أن نجاحه لن يقاس بمدى قدرته على الوفاء بوعوده الانتخابية فحسب، بل أيضاً بقدرته على توحيد أمة متنوعة ومفعمة بالأمل في ظل رؤية مشتركة للمستقبل. وأخيرا، تحمِل رئاسة “فاي” آثاراً أوسع نطاقاً على مسار الديمقراطية في غرب أفريقيا، باعتبارها منطقة تتصارع مع عدم الاستقرار السياسي المتكرر والتراجع الديمقراطي، ويشكل التزام السنغال بالتحول السلمي للسلطة والحكم التعددي مثالاً قوياً لأخواتها في المنطقة, ويلهم الدول الأخرى لدعم القيم الديمقراطية وتعزيز الأنظمة السياسية الشاملة.

ظهرت المقالة صعود “باسيرو ديوماي فاي” وديناميكيات التغيير في رئاسيات السنغال لعام 2024 أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>
https://alafarika.org/ar/5764/the-rise-of-bassirou-diomaye-faye-and-the-dynamics-of-change-in-senegals-2024-presidential-election/feed/ 0 5764
الاقتصاد النيجيري.. التنقل عبر الظروف الصعبة https://alafarika.org/ar/5752/the-nigerian-economy-navigating-through-difficult-circumstances/ https://alafarika.org/ar/5752/the-nigerian-economy-navigating-through-difficult-circumstances/#respond Sat, 20 Apr 2024 14:01:48 +0000 https://alafarika.org/ar/?p=5752

إن تبني الحصافة والشمولية والقدرة على التكيف أمر بالغ الأهمية للتغلب على التحديات الاقتصادية ودفع نيجيريا إلى الساحة العالمية. كما أن زيادة الشفافية فيما يتعلق بالعملة الوطنية (نيرا) والقدرة على التنبؤ بسياسات إدارة سعر الصرف ستقلل من التشوهات في المخصصات في القطاعين الخاص والعام، وستضمن قدرة الوكلاء على الوصول إلى النقد الأجنبي في الوقت المناسب وبطريقة منظمة وبسعر متفق عليه. ومن الواضح أنه من خلال تنويع الاقتصاد والاستثمار في البنية الأساسية ورأس المال البشري وتعزيز الحكم الرشيد واحتضان التجارة الإقليمية والدولية تستطيع نيجيريا أن تطلق العنان لإمكاناتها الهائلة لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام. وبينما تتغلب البلاد على تحدياتها، فإن قدرة المواطنين النيجيريين على التكيف في مواجهة الصعوبات المعيشية والاقتصادية واضحة، حتى وإن كان توقع آفاق اقتصادية أكثر إشراقًا ظل طمحا مشتركا للجميع كأمة.

ظهرت المقالة الاقتصاد النيجيري.. التنقل عبر الظروف الصعبة أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>

إعداد: أويباميجي أديسوجي – باحث لدى الأفارقة للدراسات والاستشارات

نقله إلى العربية (بتصرّف): أحمد عبد الرحيم البدوي

النسخة الانجليزية من المقال متوفرة هنا

تقع نيجيريا على خليج غينيا، ويتوقع أن ينمو عدد سكانها من أكثر من 186 مليون نسمة في عام 2016 إلى 392 مليون نسمة في عام 2050، مما سيجعلها رابع أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان. وهي دولة أفريقية متنوعة من حيث إثنيات سكانها وعاداتهم وثقافاتهم, كما تتمتع بموارد طبيعية وفيرة، ولا سيما احتياطيات كبيرة من النفط والغاز الطبيعي. والاقتصاد النيجيري اقتصاد مختلط لأنه ذو طبيعة رأسمالية بشكل أساسي وفق اللوائح الحكومية. ورغم اعتماد الاقتصاد على عائدات النفط إلا أنه يتضمن أيضا مجالات زراعية وتجارية وقطاعات أخرى, مما عززت كون نيجيريا واحدة من أكبر الاقتصادات في أفريقيا مع إمكانات هائلة للنمو والتنمية.

وفي الوقت الراهن يشكل قطاعا المعلومات والتكنولوجيا القوى الدافعة للاقتصاد النيجيري، حيث يحملان فرصاً هائلة للمستثمرين. وقد أشار الاقتصاديون إلى أن هناك العديد من الأحداث في الآونة الأخيرة التي ستفتح فرصًا لنمو الأعمال التجارية والتوسع في البلاد, وأن اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية ستتيح الوصول إلى سوق كبيرة للتجارة وتنذر بفرص مربحة, مع الإشارة إلى أن قيمة “نيرا” العملة النيجيرية، انخفضت بشكل كبير مؤخرًا، بسبب سلسلة من الأحداث المؤسفة.

التطورات الأخيرة: بيانات وأرقام

بلغ معدل التضخم معدلا سنويا بلغ 29.9% في يناير/كانون الثاني، مدفوعا بارتفاع أسعار المواد الغذائية الذي أثار أزمة تكلفة المعيشة في أكبر اقتصاد في أفريقيا. وفي الوقت نفسه، انخفضت عملة نيرا إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق عند حوالي 1600 مقابل الدولار الأمريكي في أواخر فبراير 2024.

ومع ذلك, شهد القطاع الزراعي في نيجيريا زيادة كبيرة في قيمة الصادرات للسلع الأساسية المهمة في البلاد, حيث صدرت البلاد الواقعة في غرب إفريقيا سلعًا زراعية بقيمة 1.23 تريليون نيرا في عام 2023، وفقًا لتقارير التجارة الخارجية الواردة من المكتب الوطني للإحصاء (National Bureau of Statistics = NBS). وهذا الرقم يمثّل زيادة بنسبة 53 في المئة عن 583.3 مليار نيرة المسجلة في عام 2022. وقد يكون هذا الارتفاع بسبب الانخفاض الكبير في قيمة نيرا في عام 2023، مما أدى إلى زيادة قيمة إجمالي الصادرات بالعملة الوطنية (نيرا).

في عام 2022، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لنيجيريا 477 مليار دولار أمريكي، في حين بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 2.33 ألف دولار أمريكي. وفي الربع الثاني من عام 2023، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لنيجيريا 52.1 تريليون نيرا، أي حوالي 66.84 مليار دولار أمريكي. ونما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2.54 في المئة (على أساس سنوي) بالقيمة الحقيقية في الربع الثالث من عام 2023 – وهو أداء أفضل من المتوقع. بل ويُعَدّ معدل النمو هذا أعلى من نسبة 2.25 في المئة المسجلة في الربع الثالث من عام 2022 وأعلى من نمو الربع الثاني 2023 البالغ 2.51 في المئة.

وكان أداء الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من عام 2023 مدفوعا بشكل رئيسي بقطاع الخدمات الذي سجل نموا بنسبة 3.99 في المئة, وساهم بنسبة 52.70 في المئة في إجمالي الناتج المحلي الإجمالي. ونما قطاع الزراعة بنسبة 1.30 في المئة ارتفاعاً من نمو 1.34 في المئة المسجل في الربع الثالث من عام 2022. كما بلغ نمو قطاع الصناعة 0.46 في المئة بتحسّن من -8.00 في المئة المسجلة في الربع الثالث من عام 2022. بل ساهمت حصة الناتج المحلي الإجمالي وقطاعات الزراعة والصناعة بشكل أقل في إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من عام 2023, مقارنة بالربع الثالث من عام 2022. ونتيجة لتأثير كوفيد-19، تشير التقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لنيجيريا قد انخفض بنسبة ما يقرب من 1.8 بالمئة خلال عام 2020. ومع ذلك، يقول المراقبون إن نيجيريا تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية تواصل تخريب عملية التنمية في البلاد.

التحديات

كان الارتفاع المفاجئ في العائدات في نيجيريا نتيجة للازدهار النفطي سبباً في توليد موقف سياسي اعتبر أن الموارد لا تشكل مشكلة للبلاد، وأن كيفية إنفاقها هي المشكلة الحقيقية. وكان الحكومات المختلفة تنظر إلى الرقم المتزايد لإيصالات النقد الأجنبي على أنه سيدوم ما دامت الموارد متاحة. وهذا الموقف والتفكير أدّيا إلى توسّع غير منضبط في الإنفاق, وقول البعض إن التخفيضات في إيرادات النقد الأجنبي خلال السنوات العجاف (كما حدث في عام 1978) لن تكن سوى حدث مؤقت. وعدم المرونة في التوقعات صعّبت عمليات تخفيض النفقات على الفور، وأحدثت صدمات سلبية, ووضع أجبر الحكومة على الاقتراض الخارجي لتمويل أنشطتها الحكومية. ونتيجة لذلك، ظهر العجز المالي وصعوبات دفع الديون الخارجية والتي استمرت من مختلف الأنظمة السياسية السابقة إلى حكومة اليوم.

ويُضاف إلى ما سبق أن عدة أزمات اجتماعية لا تزال مستمرة على الرغم من مجيئ إدارة جديدة ربط النيجيريون آمالهم إليها. وهذه الإدارة بقيادة الرئيس “بولا أحمد تينوبو” الذي أدى اليمين الدستورية في 29 مايو 2023، بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية في فبراير 2023. وهذه الأزمات تنحصر في انعدام الأمن, مثل أعمال اللصوصية والاختطاف، خاصة في المنطقة الشمالية الغربية، واستمرار التمرد من قبل الجماعات الإرهابية في الشمال الشرقي، والتحريض الانفصالي في الجنوب الشرقي.

وتشمل العقبات الرئيسية التي تعترض التنمية المستدامة في نيجيريا الفساد المستشري، وعدم كفاية البنية التحتية، وضعف التنوع الاقتصادي، والاعتماد المفرط على عائدات النفط، وارتفاع مستويات الفقر وعدم المساواة. وفي حين أن العوامل التي تؤثر على النمو الاقتصادي والتنمية في نيجيريا تشمل الإرهاب الذي يؤثر سلبا في أعمال المزارعين وقدراتهم الزراعية, والصراع المحلي والإقليمي, والإنفاق الحكومي والاستثمار المحلي؛ فإن العوامل اللازمة لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة هي في المقام الأول الاستقرار السياسي والاستثمار ومزيج من المبادرات العامة والخاصة. بل وأصبحت إعادة النظر في هذه العوامل حاجة ملحة للزيادة الكبيرة في تكاليف المعيشة في السنوات القليلة الماضية, وكون الضروريات الأساسية مثل الغذاء والسكن والتعليم والرعاية الصحية أكثر تكلفة، مما جعل العديد من النيجيريين يكافحون من أجل الحفاظ على نفقاتهم اليومية.

وفي الوقت الحالي، تشهد نيجيريا اضطرابات اقتصادية عميقة، مما أدى إلى انخفاض القوة الشرائية والتضخم المفرط وانخفاض قيمة عملة نيرا. وهناك اضطرابات في سلسلة الإمدادات الغذائية رغم أن نيجيريا تملك موارد زراعية هائلة وغير قابلة للقياس لإطعام القارة الأفريقية بأكملها – وحتى التصدير إلى قارات أخرى, وذلك بالنظر إلى عدد سكان البلاد البالغ 210 مليون نسمة وفق تقدير عام 2023، وباعتبار أن نحو 55 في المئة من سكانها نشطون، بينما تبلغ مساحتها من الأراضي الصالحة للزراعة 91 مليون هكتار، مع أنه يتم استغلال 50 في المئة فقط من مواردها المائية رغم كمية الموارد المائية للبلاد وخصوبة تربتها والتضاريس المواتية والمناخ, الأمر الذي يجعل بعض الباحثين الاقتصاديين يصفون نيجيريا ضمن الدول الأكثر ثراءً لما تتوفر فيها من موارد مائية غير محدودة للتنمية الزراعية. ومع ذلك، فإن القيادة النيجيرية لا تُولي الاهتمام الكافي للقطاع الزراعي، اللهم إلا الوعود والكلمات الجوفاء من الحكومات المحلية في الولايات المختلفة مرورا إلى الحكومة الفيدرالية في أبوجا. وكانت أن تلقت الزراعة استثمارات منخفضة على مر السنين من حكومات البلاد.

السياسات والإصلاحات الاقتصادية

تتضمن السياسات الاقتصادية الرئيسية في نيجيريا: السياسة المالية والسياسة النقدية وسياسة جانب العرض (أو سياسة تنشيط العرض). وتتضمن السياسة المالية: الإنفاق الحكومي والضرائب, بينما تتعامل السياسة النقدية مع إدارة أسعار الفائدة وعرض النقود, وتركز سياسة جانب العرض على تحسين كفاءة الاقتصاد.

أما برامج الإصلاح الاقتصادي التي شهدتها البلاد في السنوات الأخيرة, فهي تشمل ما يلي: توحيد المؤسسات المالية؛ والخصخصة والتسويق؛ والتوطين؛ والتأميم؛ وإلغاء القيود التنظيمية. وتشمل برامج الإصلاح الأخرى الأدوار التي تؤديها بعض الوكالات الحكومية، مثل لجنة الجرائم الاقتصادية والمالية (Economic and Financial Crimes Commission = EFCC), والوكالة الوطنية لإدارة ومراقبة الغذاء والدواء (National Agency for Food and Drug Administration and Control (NAFDAC)، واللجنة المستقلة لممارسات الفساد والجرائم الأخرى ذات الصلة (Independent Corrupt Practices and Other Related Offences = ICPC)، ومنظمة المعايير النيجيرية (Standards Organization of Nigeria = SON)، وغيرها من الوكالات التي تنشط وتساهم في عماليات تشغيل وأداء الاقتصاد النيجيري.

وقد تعهد الرئيس الحالي “تينوبو” بمواصلة إصلاح الاقتصاد وضمان الأمن في جميع أنحاء البلاد, كما التزم المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمجموعات المدنية الأخرى بمواصلة الدعوة للإصلاحات والإجراءات الرامية إلى تحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية أفضل للمواطنين. وقد أعلنت إدراة “تينوبو” سلسلة من السياسات لمعالجة أزمة صرف العملات الأجنبية من خلال إيجاد طرق للتحكم في المراجحة والمضاربة المالية داخل النظام البيئي المالي. هذا, إلى جانب مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية التي تهدف إلى تحرير الاقتصاد، مثل إلغاء دعم الوقود وتخفيف القيود على العملة الوطنية. وكان محافظ البنك المركزي النيجيري، “أولايمي كاردوسو”، منذ توليه منصبه في 5 أكتوبر 2023، يبذل جهودًا مختلفة لتحقيق استقرار الاقتصاد وترويض التضخم المتسارع.

مؤشرات التقدم والفرص

ففي نهاية المطاف، تلعب القدرة على جذب الاستثمار الأجنبي دوراً محورياً في تشكيل المسار الاقتصادي لنيجيريا وإقرار قوتها في مواجهة عدم الاستقرار العالمي. هناك حاجة ماسة إلى إصلاحات قطاعية حاسمة لدعم النمو الاقتصادي عريض القاعدة والقدرة التنافسية العالمية لنيجيريا. وفي الوقت الحالي حصلت نيجيريا على استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 30 مليار دولار لدعم اقتصاد البلاد منذ مايو 2023، خاصة في القطاعات الحقيقية للاقتصاد، بما في ذلك التصنيع والاتصالات والرعاية الصحية والنفط والغاز وغيرها. وفي حين ارتفعت واردات رأس المال إلى نيجيريا بنسبة 66 في المئة في الربع الرابع من عام 2023، مما يعكس انخفاضًا بنسبة 36 في المئة في الربع السابق، فقد تجاوز مؤشر جميع الأسهم في البورصة النيجيرية (Nigerian Stock Exchange All Share Index)  في يناير 2024 أيضًا علامة 100,000 نقطة، وهو أعلى مستوى له على الإطلاق.

جدير بالذكر أن البنك الدولي أشار إلى أن الإصلاحات الأخيرة في نيجيريا توفر نقطة انطلاق لـميثاق اجتماعي جديد للتنمية في البلاد. ومن شأن تعزيز أساسيات الاقتصاد الكلي أن يسمح بمواصلة الإصلاحات الهيكلية واستعادة النمو الاقتصادي. ومن الممكن تحويل التوازن الاجتماعي والاقتصادي المنخفض الحالي إلى توازن يتسم بدولة أفضل تمويلاً وأكثر فعالية توفّر خدمات عامة تتسم بالكفاءة والمنافع العامة وبيئة اقتصادية مواتية لازدهار القطاع الخاص وخلق المزيد من فرص العمل الجيدة للنيجيريين.

ومع ذلك، يرى الخبراء أن ما يحدث اليوم من الأزمات الاقتصادية – مثل التضخم المفرط وأزمة قيمة عملة نيرا وأزمة الديون وتحدي الإيرادات والبطالة والفقر المدقع وما إلى ذلك – غير مفاجئة, وذلك بالنظر إلى ما عاناه اقتصاد البلاد من سوء الإدارة لفترة طويلة, ولحقيقة أن الخيارات لها عواقب. وهناك جوع وغضب في مختلف المدن والقرى النيجيرية، وكانت السنوات العشر الماضية مدمرة بشكل خاص نتيجة سوء إدارة غير مسبوق للسياسة المالية والاقتراض الخارجي غير المنتج والعجز غير الضروري في الميزانية والإقراض غير القانوني من قبل البنك المركزي النيجيري للحكومة الفيدرالية بما يصل إلى 30 تريليون نيرا، إضافة إلى الفساد غير المسبوق.

وفي الختام؛ إن تبني الحصافة والشمولية والقدرة على التكيف أمر بالغ الأهمية للتغلب على التحديات الاقتصادية ودفع نيجيريا إلى الساحة العالمية. كما أن زيادة الشفافية فيما يتعلق بالعملة الوطنية (نيرا) والقدرة على التنبؤ بسياسات إدارة سعر الصرف ستقلل من التشوهات في المخصصات في القطاعين الخاص والعام، وستضمن قدرة الوكلاء على الوصول إلى النقد الأجنبي في الوقت المناسب وبطريقة منظمة وبسعر متفق عليه. ومن الواضح أنه من خلال تنويع الاقتصاد والاستثمار في البنية الأساسية ورأس المال البشري وتعزيز الحكم الرشيد واحتضان التجارة الإقليمية والدولية تستطيع نيجيريا أن تطلق العنان لإمكاناتها الهائلة لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام. وبينما تتغلب البلاد على تحدياتها، فإن قدرة المواطنين النيجيريين على التكيف في مواجهة الصعوبات المعيشية والاقتصادية واضحة، حتى وإن كان توقع آفاق اقتصادية أكثر إشراقًا ظل طمحا مشتركا للجميع كأمة.

ظهرت المقالة الاقتصاد النيجيري.. التنقل عبر الظروف الصعبة أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>
https://alafarika.org/ar/5752/the-nigerian-economy-navigating-through-difficult-circumstances/feed/ 0 5752
باماكو و وقف إتفاق الجزائر: قراءة في الرهانات والتداعيات https://alafarika.org/ar/5732/%d8%a8%d8%a7%d9%85%d8%a7%d9%83%d9%88-%d9%88-%d9%88%d9%82%d9%81-%d8%a5%d8%aa%d9%81%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b1/ https://alafarika.org/ar/5732/%d8%a8%d8%a7%d9%85%d8%a7%d9%83%d9%88-%d9%88-%d9%88%d9%82%d9%81-%d8%a5%d8%aa%d9%81%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b1/#respond Tue, 02 Apr 2024 14:04:59 +0000 https://alafarika.org/ar/?p=5732

بالنظر إلى الأحداث المتسارعة التي تشهدها منطقة السّاحل الأفريقي ككل، وحالة الفوضى وعدم الاستقرار بدول المنطقة على غرار مالي، النيجر و بوركينافاسو، يتضّح بشكلٍ جلي تصاعد في إحتمالية زعزعة الاستقرار الأمني بغالبية الدول ذات الصلة المباشرة وغير المباشرة بهذا الحزام الهش

ظهرت المقالة باماكو و وقف إتفاق الجزائر: قراءة في الرهانات والتداعيات أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>

شهدت العلاقات المالية الجزائرية منذ النصف الثاني لسنة 2023 توترات واضحة المعالم، طبعت في أغلبها تباينات في المواقف الثنائية حول الأحداث والتصادمات الميدانية بدولة مالي، والتي ساهمت في تقويض حالة الاستقرار خاصة بالأراضي والأقاليم التي انسحبت منها القوات الفرنسية وعناصر حفظ السلام الأممية، وقد مثّل مطلع السنة الجارية ذروة التشنج في التعاطي السياسي الدبلوماسي بين البلدين، كان آخره قرار السلطات المالية أُحادي الجانب بإنهاء العمل باتفاق السّلم والمصالحة المعروف باتفاق الجزائر 2015، الذي تمّ إبرامه لإنهاء حالة الصراع والإقتتال الداخلي بشمال البلاد، وهو القرار الذي من شأنه أن يفتح الأبواب والمجال أمام قراءات وتحليلات مختلفة حول مستقبل الوضع الأمني بدولة مالي ومنطقة السّاحل الأفريقي.

تحاول هذه الورقة البحثية أن تعالج بالدراسة والتحليل الأبعاد والعوامل الأساسية المؤثرة بالسياق السياسي لبيئة وخلفية القرار المالي، وكذا رصد التداعيات المحتملة لخطوة إنهاء العمل باتفاق الجزائر للسلم والمصالحة، وتبيان مختلف الإنعكاسات والسيناريوهات الممكنة على الأوضاع الأمنية لدولة مالي، والتأثيرات الإقليمية المتوقعة جرّاء تنامي مؤشرات الممارسات العدائية المسلحة بشمال البلاد، الأمر الذي قد يُعيد دولة مالي إلى  المربع الأوّل لحالة اللاأمن التي عاشتها نهاية العقد الأوّل من الألفية الجديدة.

القرار المالي.. السياق والخلفيات

من الضروري جداً قبل التعمّق في تحليل أبعاد وتداعيات القرار المالي الأخير، بإعلان إنسحابها من ترتيبات بنود إتفاق الجزائر 2015 الذي رسّخ لبصيص من الأمل لتحقيق الأمن والإستقرار بالبلاد، عقب فترة زمنية من الصراع المسلح منذ سنة 2010 بين قوات الجيش المالي من جهة، وتشكيلات مسلحة غير نظامية بشمال البلاد من جهةٍ أخرى، أدخلت المجتمع المالي في دوامة من العنف والتصفيات العرقية القبلية[i]، واتّساعٍ لرقعة النزوح والهجرة السّكانية الداخلية وخارج البلاد باتجاه دول الجوار الشمالي، والتي مثّلت الجزائر أحد أبرز هذه الوجهات المقصودة، مع إصرار الأخيرة على تبني مقاربة ثنائية (الأمن والتنمية)[ii] لمجابهة هذه الظاهرة المتنامية منذ إندلاع الصراع الداخلي بمالي، وجعل من الجزائر الدولة الأكثر إستحقاقاً للعب دور الوساطة وإنفاذ إتفاق سلام فاعل.

منذ ذلك الحين خبِرت سلطات الحكم في دولة مالي عديد التجارب والتحديات لإدارة البلاد، وأثرت في مجملها على الوضع العام للإستقرار السياسي الأمني السّائد، ونتيجةً لإعتبارات صراعات المصالح وتوازنات القوة الداخلية، وكذا لطبيعة التحوّلات الجيوسياسية بالقارة الأفريقية بشكلٍ عام ومنطقة السّاحل بشكلٍ خاص، إصطدم الواقع السياسي المالي بقيام موجات إنقلابية عسكرية متتالية بدايةً من سنة 2020، أعقبتها بعد ذلك الإستيلاء على السلطة بتاريخ 24 ماي 2021 من قبل الضابط أسيمي غويتا ومناصريه[iii]، وهي الخطوة التي قوبلت بتنديد دولي (الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، الإتحاد الأوروبي..) وإقليمي واسعين، ولم يُخفِ الرّئيس الفرنسي[iv] حينها رغبته في سحب قواته العسكرية (حوالي 5100 جندي في إطار عملية باراخان) من البلاد في حالة ما إذا تأكّد توجه باماكو صوب إقامة نظام راديكالي، وتباينت تحليلات المتتبعين وتفسيراتهم حول دوافع وأسباب الإنقلاب على إعتبار أنه نتيجةٌ حتميىة لسببين رئيسيين[v]، الأوّل متعلق بالتراكمات النخبوية الصراعية (الشمالي /الجنوبي) ذات الطابع التاريخي منذ إستقلال البلاد مطلع الستينات، فيما يتمثّل الثاني في التغيُرات الناجمة عن حالة التنافس الدولي المحتدم بمنطقة السّاحل الأفريقي، خاصةً بعد تصاعد الدور الرّوسي المتزايد في مقابل التواجد الفرنسي.

وتبعاً للتغيرات السياسية والأمنية التي شهدتها منطقة السّاحل الأفريقي ككل ومنطقة غرب أفريقيا، شهدت دولة مالي تصعيداً مفاجئاً في حدة التوتر بالإقليم الشمالي من البلاد، أين خاض الجيش المالي حملات عسكرية مختلفة بمحاور قتالية عدّة وسط وشمال البلاد[vi]، خاصّة في الفترة الممتدة مابين شهري أوت – ديسمبر 2023، كانت كلها ضد الجماعات المسلحة غير النظامية على غرار جماعة نصرة الإسلام[vii]..وفي هذا الإطار رصدت تقارير هيئة Armed Conflict Location & Event Data Project (ACLED)[viii] المختصة في النزاعات المسلحة أنّ سنة 2023 عرفت تزايداً ملحوظاً في نسبة إستهداف المدنيين فاقت %38، بحيث تسببت قوات الجيش المالي مدعومةً بتنظيم فاغنر الروسي بحوالي %29، إلى جانب %33 من إجمالي الأحداث عبر هجمات جماعة نصرة الإسلام أين قُدّر عددها بحوالي 180 هجوم، إضافةً إلى مانسبته %15 من طرف تنظيمات مسلحة غير نظامية أخرى بالشمال.

بتاريخ 25 جانفي 2024 أعلنت سلطات المجلس الإنتقالي الحاكم بدولة مالي عن إنهاء العمل بإتفاق الجزائر للسلم والمصالحة المبرم سنة 2015، وقد علّل الناطق باسم الحكومة عبد الله مايغا[ix] موقف بلاده إزاء هذه الخطوة في بيان رسمي متلفز بعدّة تبريرات ودوافع، بدأها بكون الجزائر مارست أعمالاً عدائية تجاه دولة مالي تدخل ضمن دائرة التّدخل الصارخ في الشؤون الداخلية للبلاد، وذلك على إثر اللقاءات الرّسمية الجزائرية مع ممثلي تنظيمات إنفصالية متمردة تنشط بشمال مالي، وكذا إستقبال شخصيات معروفة بمناوأتها للسياسة المالية على غرار الشيخ محمد ديكو، مما يجعل الجزائر حسب السلطات المالية دولة غير مؤهلة لتولي دور الوساطة بشكلٍ حيادي، وقد سبق هذا القرار إستدعاء السفير الجزائري بباماكو للتنديد بما تسميه السلطات المالية تعديّاً على سيادة الدولة من الجزائر، ومن جانب آخر إعتبرت السلطات الجزائرية في بيانٍ لوزارة الخارجية الخطوة المالية بأنها إستندت لإدعاءات غير واقعية، فيما أكّدت على أنّ القرار كان مُخططٌ له مسبقاً للتنصل من ترتيبات إتفاق الجزائر، الأمر الذي من شأنه أن يدخل البلاد والمنطقة في دوامة عنف ولا إستقرار جديدة، هذه التطوّرات وغيرها من الإنعكاسات فتحت المجال واسعاً لقراءات وتحليلات المتتبعين حول الرّهانات المالية جرّاء تبني باماكو لهذا التوجه من جهة، وكذا التداعيات المتوقعة على أمن واستقرار المنطقة ككل من جهةٍ أخرى.

باماكو ورهانات ما بعد الانسحاب من اتفاق الجزائر

بالرّغم من أنّ قرار القيادة الإنتقالية بالعاصمة باماكو إنسحابهم وإنهاء العمل بإتفاق الجزائر 2015، بدا للوهلة الأولى مفاجئاً لعدّة أوساط بحثية متباينة، إلا أنه بالنسبة لمتتبعي شؤون منطقة السّاحل الأفريقي عموماً، وللوضع السياسي- الأمني بدولة مالي على وجه الخصوص لم يتفاجأ بهذه الخطوة، وهذا ما عبّر عنه بشكلٍ صريح بيان وزارة الخارجية الجزائرية عند تعليقه على قرار الجارة الجنوبية، وعلى ضوء هذه المعطيات فإنّ المقاربة المالية لا تخلُ من إعتمادها على تصورات وقراءات مُعدّة مسبقاً، تساعدها في إبقاء الأسبقية والمقدرة على التحكم أكثر بزمام توازنات القوة الوطنية والإقليمية، تدخل كلها ضمن حزمة رهانات قد تتبناها السلطات في البلاد، للإستفادة إيجابياً من حالة فك الإرتباط أحادي الجانب من الاتفاق، بدل العودة إلى مربع العنف الأوّل، ويمكن إعتبار الإستناد للدعم الخارجي عن طريق قوات فاغنر الروسية من جهة، وتوليفة التحالفات الإقليمية المستقبلية الجديدة من جهةٍ أخرى، أحد أبرز هذه الرهانات الفاعلة على الإطلاق.

على مدى السنتين الماضيتين شهدت منطقة الساحل الأفريقي تحوّلات وتطورات متسارعة، تضمنت في مجملها مؤشرات بالغة الأهمية على إحتمالات تغيُّرات على خارطة التحالفات الإقليمية والدولية الفاعلة بربوع دول الإقليم، وفي هذا الإطار فقد صُنّفت الحركات الإنقلابية التي مسّت كلٌّ من بوركينافاسو، مالي والنيجر، ضمن سلسلة وموجة الظاهرة الإنقلابية التي ضربت عديد الدول الإفريقية خاصة بغرب القارة، ومنذ ذلك الحين تبلورت معالم تكتّل إقليمي جديد يربط الدول الثلاثة المذكورة، جعلت من مناوءة التواجد والنفوذ الفرنسيين هدفاً لها، واستخدمت بذلك عدّة مقاربات وآليات سياسية وأمنية، وتزامنت هذه التوجهات مع اتساع لرقعة التنافس الدولي بالمنطقة، فبالإضافة للأدوار المتعاظمة لروسيا الإتحادية، تزايد التسابق مابين الولايات المتّحدة الأمريكية والصين، مدفوعتان بوفرة المنطقة على إمكانيات إقتصادية هامة وكذا الفراغ الذي أحدثه التراجع الفرنسي على الساحة[x]، وقد سعت الدول الثلاثة في ذات السياق للعمل على تغيير قواعد اللعبة إقليمياً، كان آخرها إعلان الانسحاب الثلاثي أحادي الجانب من تكتّل الإيكواس لدول غرب أفريقا بتاريخ 28 يناير 2024، على إثر العقوبات الاقتصادية الصارمة التي تبنّاها التكتل في حقها، مع تعليق عضويتها في التكتل الإقليمي وفرض منطقة حظر جوي على الرحلات الجوية التجارية، فضلاً عن إغلاق الحدود البرية والبحرية، وكذا تجميد الأصول التي تحتفظ بها هذه الدول في البنوك المركزية للمجموعة[xi].

ويستند الرهان المالي في سياساته الجديدة، خاصّة عقب إعلانه الانسحاب وإنهاء العمل باتفاق الجزائر، إلى الرؤية الثلاثية المتصاعدة إلى جانب كل من بوركينافاسو والنيجر، بتشكيلهم تحالف وجبهة أمنية جديدة تعمل خارج صندوق المنطق “القديم” لمنطقة غرب أفريقيا المدعوم من السلطات الفرنسية صاحبة الوجود التقليدي، وهذا ما يُفسر خروج الدول الثلاثة هن تحالف دول السّاحل G5 وتشكيل تحالف إقليمي جديد تحت مسمى AES  منذ سبتمبر 2023، بهدف تنسيق التعاون المشترك، ودعم أي دولة من داخل دول الحلف تواجه أي تهديدات داخلية أو خارجية[xii]، وقبله إستقدام قوات فاغنر الرّوسية التي يتاوز وجودها الدور العسكري إلى مجالات أخرى تتصل بالحكم والإقتصاد، إذ يرى كثير من المحللين والمتتبعين لشؤون الساحل الأفريقي، أنها الذراع الروسية العسكرية التي من شأنها خلط أوراق التفاعلات الدولية بالقارة الأفريقية، وإعادة تشكيل توازنات قوة جديدة لسحب النفوذ من القوى الأوروبية والغربية التقليدية بالمنطقة[xiii]، وبالنسبة لدولة مالي خاصة عقب إنقلاب سنة 2021، فقد أصبحت تعتمد عليها كثيراً في إعادة ترجيح كفة القوة بشمال البلاد، وهو أحد التفسيرات الهامة لإلغاء الإلتزام ببنود إتفاق السلم والمصالحة المبرم بالجزائر سنة 2015 بين الجيش المالي والتنظيمات المسلحة الأخرى.

التداعيات القومية والإقليمية لقرار وقف العمل باتفاق السّلم والمصالحة

بالرّغم على مرور أزيد من عقد كاملٍ منذ الأحداث المأساوية التي شهدتها دولة مالي، جرّاء أعمال العنف والإقتتال الداخلي مابين الفرقاء والمكونات القبلية المتنوعة، إلا أنّ الوعي الجمعي للبلاد لايزال يتوجس ويتخوف من إحتمالية عودة الوضع الأمني إلى نقطة الصفر والبداية، وهو ذات التخوّف الذي أبدته غالبية دول المنطقة، باعتبار أنّ السلطات الماسكة بزمام الحكم بباماكو مهّدت لهذه الخطوة منذ فترة ليست بوجيزة، وأنّ جميع الحجج والتبريرات التي ساقتها لا أساس لها من الصحة، والأهم بالنسبة للسلطة المركزية هي إعادة ترتيب العلاقة مع التنظيمات المسلحة بشمال البلاد إتساقاً مع موازين القوة الجديدة، خاصة مع الدعم الكبير الذي تلقته المؤسسة العسكرية المالية من قِبل روسيا الإتحادية، عبر التواجد المتعاظم لقوات فاغنر المسلحة بالمنطقة.

وفي نفس السياق ومقارنةً بالظروف الجيوسياسية التي مرّت بها  المنطقة والناجمة عن الأزمة المالية سنة 2012 يجد أبعاداً وجوانب كثيرة من التشابه، فإالصراع والأزمة المالية مثّلت آنذاك حالة جدّ معقدة على مستوى دول الساحل الإفريقي، و ذلك لما ميزها من تداخلات و تركيبات عديدة في أبعادها و معالمها، فوفق تقرير صادرٍ عن هيئة  Peace Buildingالنرويجية لسنة 2013 حول الأزمة بمالي، فقد أشار إلى ثلاثة أبعاد أساسية للأزمة، ساهمت بشكل أساسي في ضبابية المشهد الأمني السياسي بمالي، و صعّبت من مهمة فرض و بسط الأمن و الإستقرار بها، و هذه الأبعاد كالتالي[xiv]:

  • أزمة سياسية و دستورية داخلية، متمثلة في الإنقلاب العسكري على الحكم بمالي بقيادة Amado Sanogo مما زاد من إحتمالات التدخل الأجنبي بالبلاد فيما بعد.
  • معضلة في الإندماج الوطني بدولة مالي أنتج أزمة إنفصالية Secessionist crisis ساهمت في بروز عدة جماعات مسلحة متمردة و ثائرة على السلطة المركزية الحاكمة منذ الستينات، من بينها الحركة الوطنية لتحرير أزاواد The National Movement for the Liberation on Azawad و الناشطة شمال البلاد.
  • إنتشار الجماعات الجهادية على غرار جماعة أنصار الدين، تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي و غيرها.

ترى عدّة تحليلات أنّ التراكمية التي تشكّلت من مخرجات السياسة المالية بالداخل والخارج، خاصّة منذ تولي المجلس العسكري الإنتقالي الحكم بالبلاد سنة 2021، ساهمت بشكلٍ دراماتيكي في حشر الدولة الأفريقية بزاوية العزلة القارية والدولية[xv]، وتنامت هذه العزلة خاصّةً في مقابل سياسات الدول الغربية الكبرى من جهة، والإصطفاف المالي مع التواجد الروسي بالمنطقة من جهةٍ أخرى، وتبنيه سياسات مناوئة للقوى الغربية على رأسها فرنسا، فمسار السلام والمصالحة الذي تسعى باماكو الآن إلى قطعه، من شأنه أن يضرّ بمصالحها الحيوية في شتى المجالات سياسية أمنية واقتصادية، ويجعلها تندرج تحت المسميات الغربية النمطية المعهودة (دولة مارقة، فاشلة، هشّة..)[xvi]، ومن جهةٍ عكسية أخرى قد تساهم هذه العزلة أيضاً في زيادة إحتقان الوضع الداخلي المتأزم أصلاً، والذي كثيراً ما تحاول السلطة المركزية أن تشتت وطأته بالتركيز على سردية المؤامرة الخارجية كجزء من سياسة رمزية للبقاء أكثر بالحكم، وإطلاق مبادرات وطنية عريضة تهدف لرصّ الصف الوطني في مجابهة الآخر، والتي كان آخر إعتزام القيادة العسكرية بالبلاد للإلتزام بعقد مباحداث حوار وسلام وطني بعيداً عن أي تدخلات خارجية أجنبية، إذ تبدو في ظاهرها غير شاملة لعدم إعترافها بقطاع كبير من مكونات الشعب المالي باعتبارهم يؤيدون “قوى متمردة إنفصالية[xvii]“.

إلا أنّ المتتبع لسيرورة السياسة المنتهجة من طرف السلطات الحاكمة بباماكو، يدرك تمام الإدراك مدى النفور الشديد الذي تبدية القيادة إزاء ممثلي الجماعات المسلحة الموقعة على إتفاق الجزائر 2015، إذ يعزز هذا الطرح النداءات المتتالية لهذه الحركات للوسطاء الدوليين على رأسهم الجزائر[xviii]، بضرورة العمل جاهدا لدفع بمتطلبات الاتفاق لإنجاح كافة جهود السلام بالبلاد، وقد واكبت هذه النداءات حالة التزايد وتضاعف المخاوف من الإجراءات الحكومية المحتملة ضد إتفاق السّلم والمصالحة، خاصة عقب الإنقلاب العسكري الأخير سنة 2021، وهو الموقف الذي يُرجّح بشكل قوي الطرح الجزائري الذي وصف الخطوة المالية بالمتوقعة سلفاً، وذلك بالنظر إلى الجولات المكوكية لمؤسسة الخارجية الجزائرية طيلة الفترة التي تلت الإنقلاب على النظام بمالي، وتنامي حدّة الخلافات والترتيبات الميدانية لقتال الجماعات المسلحة بشمال البلاد.

ولا يبدو البُعد الخارجي لإحتمالات التأثير الناجم عن قرار إنهاء إتفاق السلم والمصالحة بمنأى عن التقديرات السلبية للموقف، فمنطقة السّاحل الأفريقي وغرب أفريقيا لطالما مثّلت أكثر المناطق حاضنة للجماعات المسلحة المتمردة والمصنفة كحركات إرهابية، تنشط في أغلبها بخلفيات ومنطلقات متعددة الأهداف والرؤى العقدية والأيديولوجية، وفي هذا الإطار فإنّ السّاحل الأفريقي حصد أكبر قدر من الوفيات والضحايا جرّاء الأعمال الإرهابية سنة 2022 بنسبة قاربت %43 مقارنة ببقية مناطقة وأقاليم العالم[xix]، وتنامت التوجسات الدولية والإقليمية أكثر حول التداعيات السلبية لفقدان الاستقرار الأمني السياسي بدولة مالي، فالوضع الحالي يُذكّر بحالة الفوضى التي كانت تسود الإقليم قبل مايزيد عن عقد كامل من الزمن، إذ شكّلت حينها المنطقة ملاذاً آمناً وخصباً لمختلف الجماعات والتنظيمات الإرهابية النشطة بالصحراء، وفي هذا الإطار فإنه  لطالما صرّحت السلطات الجزائرية سابقاً بحجم التهديدات الناتجة عن حالة عدم الإستقرار بشمال مالي، و قد لخّصت صحيفة the diplomatic الأمريكية مخاوف السلطات الجزائرية، في إزدياد إحتمالية إنتشار الجريمة المنظمة، إنتشار و الإتجار بالسلاح عبر الحدود الجزائرية المالية، واستخدام كل الطرق الإجرامية الإرهابية التي من شأنها مساعدة هذه الجماعات على جلب تمويلات مالية لتكثيف نشاطها بالمنطقة[xx].

خاتمة:

بالنظر إلى الأحداث المتسارعة التي تشهدها منطقة السّاحل الأفريقي ككل، وحالة الفوضى وعدم الاستقرار بدول المنطقة على غرار مالي، النيجر و بوركينافاسو، يتضّح بشكلٍ جلي تصاعد في إحتمالية زعزعة الاستقرار الأمني بغالبية الدول ذات الصلة المباشرة وغير المباشرة بهذا الحزام الهش، ومن جانب آخر تلعب الوتيرة التنافسية وكذا الصراعية للقوى والدول الكبرى بالمنطقة، سواء صاحبة الوجود التقليدي التاريخي مثل فرنسا ودورها الفاعل في إدارة أهم الملفات السياسية، الاقتصادية والأمنية الجوهرية بالمنطقة، أو تلك القوى المتنامية الدور بالقارة الأفريقية مثل الصين و روسيا، فإن القراءات تبقى مفتوحة أما الأوضاع الأمنية على الأقل بالمنظور القريب.

الهوامش:

[i] – عبد الوهاب غربي، عبد الكريم شكاكطة، “تعقيدات الأزمة في مالي وانعكاساتها على الأمن الإقليمي في منطقة الساحل الأفريقي”. مجلة حوليات جامعة الجزائر 1، المجلد 35، العدد 3، 2021، ص 600

[ii] – وكالة الأنباء الجزائرية،”المقاربة الجزائرية لمحاربة الهجرة غير الشرعية مبنية على دعم السلم والأمن والتنمية”. تاريخ النشر : 23 جويلية 2023، على الرابط: https://bitly.ws/3cgJY ، تاريخ التصفح: 04/02/2024 .

[iii] – Eric Pichon, Mathilde Betant-Rasmussen,” Mali: Yet another coup”. European Parliamentary Research Service, at link: https://bitly.ws/3cBRP , published: june 2021, access: 05/02/2024

[iv] – David Doukhan ,“Military Coup in Mali – The Future of the Barkhane Force is Shrouded in Mist”. Link : https://bitly.ws/3cBRF , published : march: 2021,  access : 05/02/2024

[v]  – محمد صالح عمر، “انقلابات متتالية وأزمات سياسية.. أين تتجه الأوضاع في مالي؟ سؤال وجواب”. تاريخ النشر: 30/05/2021، على الرابط: https://bitly.ws/3cknN ، تاريخ التصفح: 04/02/2024.

[vi] – Lamine Keita, “Escalating violence in Mali is cutting people off from health care”. At: https://bitly.ws/3cE4f , published: 13/12/2023 , access: 07/02/2024.

[vii] – Lamine Keita, “People at serious risk as violence escalates in Mali”. At link: https://bitly.ws/3cE4J , published: 11/12/2023 , access: 07/02/2024.

[viii] – ACLED, “Fact Sheet: Attacks on Civilians Spike in Mali as Security Deteriorates Across the Sahel”. At link: https://bitly.ws/3cE5Y , published: 21/09/2023, access: 07/02/2024.

[ix] – الجزيرة نت، ” المجلس العسكري في مالي ينهي اتفاقا للسلام مع الانفصاليين”. على الرابط: https://bitly.ws/3cK9H  ، تاريخ النشر: 26/01/2024 ، تاريخ الإطلاع: 08/02/2024.

[x] – المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، “الجنوب العالمي : دوافع التنافس الصيني الأمريكي على النفوذ في غرب إفريقيا”. على الرابط: https://bitly.ws/3d7KY، تاريخ النشر: 12/02/2024 ، تاريخ التصفح: 13/02/2024.

[xi] – المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، بريكست إفريقيا:  الانعكاسات المحتملة لانسحاب بوركينا فاسو ومالي والنيجر من “الإيكواس”، على الرابط: https://bitly.ws/3d7L8 ، تاريخ النشر: 07/02/2024، تاريخ التصفح: 13/02/2024.

[xii] – المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، بريكست إفريقيا:  الانعكاسات المحتملة لانسحاب بوركينا فاسو ومالي والنيجر من “الإيكواس”، على الرابط: https://bitly.ws/3d7L8 ، تاريخ النشر: 07/02/2024، تاريخ التصفح: 13/02/2024.

[xiii] – ديرك كوب وكوسيفي تياسو وساندرين بلانشارد وبوب باري، “مجموعة فاغنر في أفريقيا.. أكثر من مجرد مرتزقة”. على الرابط: https://bitly.ws/YMZH ، تاريخ النشر: 18/04/2023، تاريخ التصفح: 14/02/2024.

[xiv] – david j. Francis,”the regional impact of the armed conflict and french intervention in mali”. Noref report – april 2013, norway: peace building,2013. P 01

[xv]  – أحمد عسكر، “توتر دبلوماسي:ما مآلات التصعيد الراهن بين الجزائر ومالي؟” . على الرابط: https://bitly.ws/3djxG ، تاريخ النشر: 27/12/2023، تاريخ التصفح: 16/02/2024.

[xvi] – James tasamba, “Does end of peace deal with rebels doom Mali’s hopes for peace?”. At link: https://bitly.ws/3dsSU  , 16/02/2024, access: 17/02/2024

 

[xvii] – James tasamba, “Does end of peace deal with rebels doom Mali’s hopes for peace?”. At link: https://bitly.ws/3dsSU  , 16/02/2024, access: 17/02/2024

[xviii]  – حسن جبريل، “علاقات الجزائر مع مالي على محكّ “حسن الجوار” ، على الرابط: https://bitly.ws/3dsVK ، 08/01/2024 ، تاريخ التصفح: 17/02/2024.

[xix] – Kate Hairsine, “ ECOWAS ‘weaker’ as Sahel trio quit the bloc”. At link: https://bitly.ws/3dsRH , published: 30/01/2024 , access: 17/02/2024.

[xx]  – محمد الأمين بن عودة، محمد بن شهرة، “التدخل الفرنسي بمالي وتأثيره على الرؤية الأمنية الجزائرية للحدود الجنوبية”، مجلة مرافئ للدراسات السياسية والقانونية، العدد 02، جانفي 2022. ص35

ظهرت المقالة باماكو و وقف إتفاق الجزائر: قراءة في الرهانات والتداعيات أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>
https://alafarika.org/ar/5732/%d8%a8%d8%a7%d9%85%d8%a7%d9%83%d9%88-%d9%88-%d9%88%d9%82%d9%81-%d8%a5%d8%aa%d9%81%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b1/feed/ 0 5732
العلاقات الثنائية بين مالي والجزائر: محطات تاريخة ومطالب إقليمية لتحقيق التنمية والاستقرار https://alafarika.org/ar/5699/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d9%85/ https://alafarika.org/ar/5699/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d9%85/#respond Sat, 20 Jan 2024 08:05:37 +0000 https://alafarika.org/ar/?p=5699

تؤشر عودة العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر ومالي إلى أن ما يجمع الجانبين أكثر بكثير من عوامل الخلاف, وأن التعاونات المشتركة التي تعود إلى ما قبل الاستقلال والروابط الاجتماعية والدينية للجارتين تستدعي منهما التعامل مع بعضهما البعض في العديد من الملفات الإقليمية والدولية, حيث يصعب ترجيح كفة التوتر على صالح التفاهم لما للتوتر من تداعيات وآثار سلبية لهما وللمنطقة, وبالتالي يجب عليهما اللجوء إلى حلقة وصل مشتركة بينهما في حالة ساءت الأمور.

ظهرت المقالة العلاقات الثنائية بين مالي والجزائر: محطات تاريخة ومطالب إقليمية لتحقيق التنمية والاستقرار أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>

تعدّ مالي دولة غير ساحلية في غرب أفريقيا بمساحة تفوق 1,241,238 كيلومتر مربع. ولها حدود في الشمال مع الجزائر، ومن الشرق مع النيجر، ومن الشمال الغربي مع موريتانيا، ومن الجنوب مع بوركينا فاسو وساحل العاج ومن الغرب مع غينيا والسنغال. ومما يجعل مالي دولة ذات أهمية استراتيجة في إفريقيا بشكل عام وفي الساحل بشكل خاص حيث  أن حدودها من الشمال تصل إلى عمق الصحراء الكبرى, ويقع الجزء الجنوبي من البلاد في السافانا السودانية ويمر عبرها نهري النيجر والسنغال. ويركز اقتصاد البلاد على الزراعة والتعدين ويتصدر مواردها الطبيعية الذهب الذي تعد مالي ثالث أكبر منتج له في أفريقيا.

وعلى مرّ العصور أثّر موقع مالي في المناطق الداخلية من غرب أفريقيا وساهمت خصائصها المادية والبشرية في تاريخ المنطقة بطرق متنوعة، وخاصة أن مالي تمثل توحيدًا للعديد من مجالات البيئة  ما بين الصحراء والمراعي القصيرة والطويلة وأطراف الغابات, مما منحت البلاد فرصا من حيث تهيئة الظروف للتجارة ومثلت تحدٍّيا من حيث إدارة المناطق وتنوعاتها الإثنية. وهذا التحدي يتجلى في انعدام الأمن الذي تعانيه مالي لسنوات عديدة وتتفاقم بسبب الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة غير الحكومية الموجودة في البلاد وخاصة في المناطق الحدودية مع الجزائر وبوركينا فاسو والنيجر. وهذا يعني أن استقرار العالمَين الجنوبي والشمالي مرهون باستقرار مالي وتعاونها الوثيق مع جيرانها بما في ذلك الجزائر.

وقد اتسمت العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر ومالي بالصداقة وحسن الجوار منذ الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي في ستينيات القرن الماضي, ولم تقتصر فحسب على العلاقات الثنائية القائمة على تبادل السفراء والزيارات الودية والتبادل الثقافي, وإنما تميزت بتداخل النسيج الاجتماعي حيث تستوطن قبائل الطوارق والعرب والسونغاي في شمال مالي وجنوب الجزائر عابرين الحدود, وخاصة أن بينهم علاقات عمومة، وكذلك دخول السلع. ويبدو ذلك جليا في مدن شمال مالي وأسواقها حيث البضائع الغذائية الجزائرية تنتشر في أسواق غاو وكيدال, بينما تستقبل الجزائر المنتجات الزراعية والماشية القادمة من مالي وجارتيها – النيجر وموريتانيا.

محطات تاريخة للعلاقات الثنائية بين الجزائر ومالي

حصلت مالي على استقلالها في 22 من سبتمبر 1960؛عندها توجهت باماكو للمعسكر الشرقي المتمثل في الاتحاد السوفيتي والصين, وخاصة أن رئيسها آنذاك “موديبو كيتا” كان توجهه اشتراكيا فأدار ظهره للغرب ودعا للوحدة الإفريقية ودعم حركات التحرّر الساعية إلى الحصول على الاستقلال والتخلص من سطوة الاستعمار. وكانت الجزائر الجارة التي لم تحصل على استقلالها بعد وكانت في حرب شعواء ضد المستعمِر الفرنسي راح ضحيتها من القتلى زهاء مليون ونصف شخص، وأُنشِئَت في تلك الأثناء نواة الجبهة الجنوبية للثورة التحريرية الجزائرية على الحدود النيجَرية المالية, وكانت مدينة غاو الواقعة شمال مالي قاعدةً خلفيةً ومقرا لنشاطهم المسلح. بل كان “أحمد درايعية” والرئيس الراحل “عبد العزيز بوتفليقة الملقب بـ”عبد القادر المالي” في صفوف المقاومة([1]) ومن أبرز وجوهها التي اتخذت من التراب المالي قاعدة تنسق منها العمليات للجنوب الجزائري.

وقد نجح الجزائريون بفضل جهودهم والمساعي الدبلوماسية والسياسية في انتزاع حقهم والاستقلال في 5 من يوليو 1962. وقويت علاقات مالي مع الجزائر, حيث من أبرز محطاتها توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار في العاصمة المالية باماكو بين الجزائر والمغرب إثر المواجهات المسلحة التي دارت بينهما في عام 1962 على خلفية خلاف حول الحدود، وآتت جهود الرئيس “موديبو كيتا” أكلها حيث جمع الفرقاء بمباركة الاتحاد الافريقي ووُقِّعت الاتفاقية بحضور الرئيس الجزائري “أحمد بن بلة” وولي العهد المغربي آن ذاك الأمير “الحسن الثاني”. وهذه الخطوة من مالي وضعت حدّا للمواجهات الدامية بعد عجز وساطات كثيرة مثل مبادرة الرئيس المصري “جمال عبد الناصر” والامبراطور الأثيوبي “هيلا سيلاسي” والرئيس التونسي “الحبيب بورقيبه” وغيرها.

وفي حين تتبادل الجزائر ومالي الزيارات على مستوى رئاسة الجمهورية والوزراء؛ فإن العلاقة بين البلدين اتسمت والود وحماية مصلحة بعضهما وتعزيز استقرارهما وتنمية أراضيهما. ويدخل في هذا الإطار ما تفضّلت به الجزائر من تقديم القروض المالية والمساعدات الإنسانية([2]) لمالي, وإهداء المعدات العسكرية اللوجستية([3]). وهناك دور ناجع للجزائر في مساهمتها لإنهاء تمرد الطوارق الممتد عبر عشرات السنين من خلال خلقها قنوات الحوار بين الفصائل المتمردة والحكومة المركزية, حيث استثمرت الجزائر نفوذها وموقعها الاستراتيجي للضغط على الفصائل المتمردة ودعوتها للتفاوض مع الحكومة, وإقناعها على قبول الاتفاقيات, وهو ما ساهم في الاستقرار النسبي الذي شهده منطقة الساحل وأسفر عن اتفاقيات مختلفة منها اتفاقية تمنراست عام 1991([4]) واتفاقية الجزائر عام 2015 ([5]).

أسباب التوتر الأخير بين مالي الجزائر

في حفل الذكرى الستين لاستقلال الجزائر شاهده الرأي الوطني المالي الداعية الشهير الإمام “محمود ديكو” الذي يعدّ معارضا للحكومة المالية في منصة الشرف بجوار رؤساء الدول والوزراء والشخصيات, بينما غاب عنه السلطات الانتقالية المالية، وهو ما أدى إلى طرح تساؤلات حول ما إذا كانت السلطات الانتقالية بمالي مدعوة لحضور الحفل ولكنها رفضت الدعوة, أو أن باماكو اقتصرت على تمثيل سفيرها,  أو أنها علمت بحضور الإمام “ديكو” وآثرت الامتناع عن الحضور لما بينهما من خلافات. وهناك تساءل عن الهدف الحقيقي وراء دعوة الإمام رغم معرفة الجزائر لتوجهاته ومواقفه تجاه المجلس العسكري المالي.

إن التساؤلات السابقة فرضت جوا من عدم الارتياح والتكهن بالدخول في مرحلة صعبة من تاريخ العلاقات بين مالي والجزائر. وتأزم الوضع عندما سكتت الجزائر دون تهنئة حيال استعادة الجيش المالي مدينة كيدال معقل المتمردين بعد زحف قواته العسكرية نحو الشمال وسيطرتها على معسكرات بعثة الأمم المتحدة، بينما دول مثل روسيا والنيجر وتركيا وغيرها بعثت رسائل تهنئة([6]). بل لجأت قيادات التمرد بعد انسحابها ” تكتيكيا ” من كيدال إلى الجزائر وشرعت في إصدار بيانات ذات طابع عدائي، واستقبل الرئيس “عبد المجيد تبون” أيضا الإمام المؤثر “ديكو” الذي اعتبرته باماكو “شخصية معادية للمرحلة الانتقالية” دون إشعارها والأخذ بمشورتها, وهي تحركات أثارت حفيظة المجلس العسكري في مالي الذي اتهم السفير الجزائري بعقد اجتماعات مع الانفصاليين الطوارق دون إشراك باماكو واعتبر ذلك تدخلا في الشؤون الداخلية([7]).

وقد بلغ الوضع في يوم 21 من ديسمبر 2023 حد استدعاء السفراء وتبادل الصحف الاتهامات، حتى أن صحيفة الخبر المقربة من قصر المرادية وصفت رئيس المرحلة الانتقالية “آسمي غويتا” بالانقلابي الدموي([8]), بينما صحف مالية نشرت تأويلات ومزاعم حول اتفاقية الجزائر واصفة إياها ببذرة لتقسيم البلاد. وردت الجزائر على ادعاءات باماكو بأن مساعيها ترمي إلى دعم استقرار مالي وأمنها، وأكدت “اقتناعها الراسخ بأن اتفاق الجزائر يظل الإطار المناسب لحل الأزمة في مالي”، وأنها “تبذل كل ما في وسعها لمساعدة هذا البلد الشقيق على درب السلم والمصالحة الذي يبقى الضامن الوحيد لأمنه وتنميته وازدهاره”([9]).

على أنه في الأسبوع الأول من يناير 2023 بدأت بوادر حل الأزمة ورجع السفراء إلى مناصبهم. وهنالك أنباء عن زيارة مرتقبة لمسؤليين ماليين لبحث سبل وتعزيز العلاقات وتطويرها وتجديد الحوار، وخاصة أن اتفاقية إحلال السلام والأمن المنبثقة من مساعي الجزائر تسمح في أحد بنودها بالتعديل كما هو مقرر في المادة الـ65. وهذا يعني أنه يمكن البحث عن إطار تحاوري مع قادة التمرد ضمن مبادرة الرئيس الانتقالي “غويتا” والتي يدعو فيها الى حوار مباشر بين الماليين دون ضلوع وسطاء.

تقوية العلاقات المالية الحزائرية لتحقيق التنمية والاستقرار في الساحل

لم تَغِب الجزائر عن كافة ملفات النزاع بين الفرقاء الماليين, حيث مثل نجاحها نقطة إيجابية تؤكد قدرتها على إطار تعزيز مكانتها الإقليمية ولعب دورها كمحور هام لتثبيت الاستقرار في  منطقة الساحل عموما وفي مالي على وجه الخصوص. وهذا الدور يمكّنها أيضا من تثبيت قوتها الدبلوماسية أمام نظيراتها في شمال إفريقيا وأمام الرأي الوطني والدولي. وهذا الزخم الإقليمي يصبّ في صالح الجزائر للحصول على التأييد في القضايا التي تناصرها كقضية الصحراء والقضية الفلسطينية.

وفيما يتعلق بمالي؛ فإن الجزائر دائما ما تنادي بتمسكها بوحدة تراب هذه الجارة داعية باماكو في نفس الوقت إلى نبذ مبدأ التعامل باليد الحديدية لأسباب لعل أهمها:

  • أنه في حال نجاح التمرد في إقامة دولة ما تُسمى بـ “أزواد” قد يسعى طوارق الجزائر أيضا للهدف ذاته, وهو تهديد مباشر للأمن القومي الجزائري.
  • أن الجزائر تواجه ضغوطا داخلية تجبرها على التحرك في قضية التمرد بمالي وخاصة أن الانفصاليين يحظون بتعاطف أبناء عمومتهم – وإن كانوا لا يمثلون الأغلبية لا في الجزائر ولا حتى في الشمال المالي الذي يسكنه تنوع إثني كبير, مع الإشارة إلى وجود حركات دفاع من الطوارق توالي الحكومة المركزية المالية وتحارب الانفصاليين.
  • أن خطر الأنشطة المسلحة ما زال موجودا على أبواب الجزائر حيث أنشطة الجماعات الإرهابية في الساحل يشكل تهديدا لأمنها ومنشآتها النفطية. وقد سبق أن تسببت تلك الجماعات المتسللة الى الجنوب في خسائر لحقت بالمنشآت النفطية بعد أن تحالفت مع التمرد للسيطرة على مناطق الشمال المالي.

ويعني ما سبق أن كلا من مالي والجزائر بحاجة إلى بعضهما البعض لارتباطهما من حيث الاستقرار والتطوّر, ولحقيقة أن شعوب دول الساحل تظلّ ضحايا العنف والتهجير والنقص الحاد في الخدمات الإنسانية الأولية، بالإضافة إلى أن الانفتاح والعولمة ومؤشرات التقدم في دول أخرى أصبحت تثير تطلعات سكان هذه الدول إلى نهضة وتنمية ودعوات إلى تسخير ما تمتلكه دولهم من الثروات لتحقيق الرفاهية والاطمئنان.

ولتحقيق مصالح شعوبهما يحتاج المجلس العسكري في مالي إعادة النظر في طريقة استجابتها للوقائع ذات الطابع الدبلوماسي حيث لردود أفعالها تداعيات بالغة الأثر, كما تحتاج الجزائر إلى اعتبار المشاعر الرسمية ومراعاة طبيعة المشهد السياسي في جارتها. وللمساهمة في جهود مالي وغيرها للتنمية المستدامة واستفادة هذه الدول من الثروات النفطية تستطيع الجزائر عبر عملاق النفط شركة “سوناطراك” أن تدرس إمكانية الدخول في مفاوضات مع الحكومة المالية للوصول إلى اتفاق جديد بعد أن علقت أعمالها التنقيبية في عام 2012 نظرا لسوء الأوضاع الأمنية([10]), وذلك لما تمتلكه الجزائر من القدرة المادية والبشرية ومعرفتها لجغرافيا المنطقة وشعوبها.

وقد أولى العديد من الخبراء الاقتصاديين أهمية قصوى لمساعي ربط عواصم المغرب العربي بإفريقيا جنوب الصحراء عبر طريق بري عابر للصحراء, حيث يُعدّ من أهم المشاريع التي تربط عواصم تونس والجزائر ومالي والنيجر ونيجيريا ويحمل اسم “طريق الوحدة الافريقية”. بل ويتسم هذا المشروع بأبعاد محلية لإمكانية أن يكون الشريان المغذي للاقتصاد والتنمية في مناطق شمال مالي التي تهالكت فيها الطرق المعبدة بسبب الإهمال والتحديات الأمنية، كما أن له أبعادا جيوسياسية واقتصادية إقليمية لإمكانيته إيصال البضائع من إفريقيا إلى أوروبا عبر الجزائر. ويمتد الطريق من العاصمة الجزائر الى مدينة تمنراست([11]), حيث أكملت الجزائر حصتها من المشروع بنسبة تتجاوز 90% وستتكفل بإنشاء البنية التحتية لإحدى دوائر الجمارك على الطريق في النيجر، بينما بقيت مالي عالقة بنسبة إنجاز لم تتجاوز 50%, وهو ما يوفر فرصة للجزائر وغيرها من اقتراح الطرق والبدائل للسلطات في باماكو لإتمام حصتها من المشروع.

خاتمة

كشفت عودة العلاقات الدبلوماسية بين الجزائر ومالي أن ما عرفته من توترات غير مسبوقة نهاية عام 2023 وأن ما يجمع الجانبين أكثر بكثير من عوامل الخلاف وأن التعاونات المشتركة التي تعود إلى ما قبل الاستقلال والروابط الاجتماعية والدينية للجارتين اللتين تتقاسمان 1300 كلم من الحدود تستدعي منهما التعامل مع بعضهما البعض في العديد من الملفات الإقليمية والدولية, حيث يصعب ترجيح كفة التوتر على صالح التفاهم لما للتوتر من تداعيات وآثار سلبية لهما وللمنطقة, وبالتالي يجب عليهما اللجوء إلى حلقة وصل مشتركة بينهما في حالة ساءت الأمور.

ــــــــــــــــــ

[1]– جريدة النهار (2012). “عبد القادر المالي يحرر المالي”، عبر الرابط https://shorturl.at/eIJ59 (الاطلاع بتاريخ 17/01/2024).

[2]– وكالة الأنباء الجزائرية (2022). “الجزائر ترسل مساعدات إنسانية الى دولة مالي”. عبر الرابط https://shorturl.at/ehE16 (الاطلاع بتاريخ 17/01/202).

[3]– أصوات مغاربية ( 2020). “لأول مرة الجيش الجزائري يقدم مساعدات لوجستية لمالي”، عبر الرابط

https://shorturl.at/zFOU1 (الاطلاع بتاريخ 18/01/2024).

[4]– United Nations. «accord de cessation des hostilité». Récupéré de

https://shorturl.at/uJXZ2 (Date d’accès 18/01/2024)

[5]– United Nations. «accord pour la paix et la réconciliation issu de processus d’Alger 2015». Récupéré de

https://shorturl.at/cmxS9 (Date d’accès 18/01/2024)

[6]– Bamada.net (2023). «libération de kidal, pluie de félicitation». Récupéré de https://t.ly/ZbCSa

(Date d’accès 18/01/2024)

[7]– Eric Tabona (2023). «des villes malienne sous blocus des ex-rebelles». Récupéré de https://t.ly/wapHQ (Date d’accès 18/01/2024)

[8] – لزهر فضيل (2023). “مالي: الانقلابي غويتا يلعب بالنار”. جريدة الخبر الجزائرية, عبر الرابط https://t.ly/aEm-3 (تاريخ الاطلاع 18/01/2024)

[9]– محمد الشيخ (2023). “توتر العلاقات بين مالي والجزائر هل هو خلاف عابر”. الشرق الأوسط, عبر الرابط https://t.ly/IDC5h (تاريخ الاطلاع 18/01/2024)

[10] – “سوناطراك الجزائرية تعلق جميع اعمالها في مالي”. مركز الاتحاد للأخبار, عبر الرابط https://t.ly/uBPqm (تاريخ الاطلاع 17/01/2024)

[11]– Banque africaine de développement (2014). « La Route Transsaharienne : un projet d’environ 10 000 km pour la stabilité et la croissance inclusive au Maghreb et au Sahel ». Récupéré de https://t.ly/aI8Ya (Date d’accès 18/01/2024)

ظهرت المقالة العلاقات الثنائية بين مالي والجزائر: محطات تاريخة ومطالب إقليمية لتحقيق التنمية والاستقرار أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>
https://alafarika.org/ar/5699/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d9%85%d8%a7%d9%84%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d8%b1-%d9%85/feed/ 0 5699
الصومال تنضم إلى “مجموعة شرق أفريقيا”: ماذا يعني ذلك للدولة والإقليم وأفريقيا https://alafarika.org/ar/5660/what-does-joining-the-east-african-community-mean-for-somalia-and-the-region/ https://alafarika.org/ar/5660/what-does-joining-the-east-african-community-mean-for-somalia-and-the-region/#respond Wed, 15 Nov 2023 13:05:12 +0000 https://alafarika.org/ar/?p=5660

يحمل قبول دولة جديدة – الصومال - في كتلة إقليمية - “مجموعة شرق أفريقيا” - أهميةً عميقة لأفريقيا ككل, وهو شهادة على التزام شعوب شرق إفريقيا بتعزيز الوحدة والسلام والازدهار وإيمان حكوماتهم المستمر بضرورة التعاون وتجاوز الحدود السياسية والجغرافية من أجل النمو والتكامل الإقيمي والقاري الأفريقي.

ظهرت المقالة الصومال تنضم إلى “مجموعة شرق أفريقيا”: ماذا يعني ذلك للدولة والإقليم وأفريقيا أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>

حامد ج. سليمان

باحث قانوني لدى الأفارقة للدراسات والاستشارات.

ظهرت أنباء عن أن الصومال في طريقها لتصبح الدولة العضو الثامنة في “مجموعة شرق أفريقيا” (East African Community = EAC) في قمة الكتلة الاقتصادية في ديسمبر القادم. ومن المقرر أن يكون هذا التوسع الوشيك للكتلة خطوة مهمة إلى الأمام في التكامل والتعاون الإقليميين.

وتعد “مجموعة شرق أفريقيا” منظمة إقليمية حكومية دولية يقع مقرها الرئيسي في أروشا بتنزانيا, وتتكون من سبع دول هي: جمهورية بوروندي وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية كينيا وجمهورية رواندا وجمهورية جنوب السودان وجمهورية أوغندا وجمهورية تنزانيا المتحدة.

تمثّل مساعي انضمام الصومال إلى “مجموعة شرق أفريقيا” لحظة محورية في رحلة البلاد المستمرة نحو الاستقرار والنمو الاقتصادي. وبالنسبة لدولة واجهت عقودا من الصراع وعدم الاستقرار والتحديات الاجتماعية والاقتصادية، فإن هذه الخطوة تحمل وعدا كبيرا وتمثّل فرصة لتعميق علاقاتها الإقليمية وتعزيز التجارة وتبني مستقبل أكثر أمنا واستقرارا.

إن قرار الصومال بالانضمام إلى “مجموعة شرق أفريقيا”يجلب معه مجموعة معقدة من التحديات، بدءاً من مساعي تعزيز التنمية الاقتصادية إلى تنسيق السياسات والقواعد التنظيمية التجارية. كما أن التحديات والفرص والآثار المترتبة على هذا القرار التاريخي متعددة الأوجه، مثل تاريخ الأمة المعقد.

ويرى “عبد السلام عمر” – وزير خارجية الصومال السابق والمبعوث الرئاسي الخاص الحالي ل”مجموعة شرق أفريقيا” – أن قرار الصومال الوشيك بالانضمام إلى “مجموعة شرق أفريقيا” هو انعكاس لرؤية البلاد الإستراتيجية لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا اقتصاديًا.

فمن ناحية, يتيح التكامل الاقتصادي داخل “مجموعة شرق أفريقيا” للصومال فرصة لتنويع اقتصادها وتحفيز النمو, إذ تدرك البلاد أن كونها جزءًا من كتلة اقتصادية إقليمية أكبر قد يفتح الأبواب أمام زيادة التجارة والاستثمار والوصول إلى أسواق جديدة. وبينما تسعى الصومال إلى إعادة بناء اقتصادها وبنيتها التحتية بعد عقود من الصراع، يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها خطوة حيوية نحو جذب الاستثمار الأجنبي ودفع عجلة التنمية الاقتصادية.

ومن ناحية أخرى, يُعَدّ الأمن والاستقرار السياسي من العوامل الحاسمة وراء اختيار الصومال للانضمام إلى “مجموعة شرق أفريقيا”, إذ تدرك الدولة أن التعاون الإقليمي يمكن أن يعزز الجهود الأمنية ومبادرات مكافحة الإرهاب والعلاقات الدبلوماسية مع جيرانها. وبالتالي، من خلال التحالف مع الدول المجاورة في”مجموعة شرق أفريقيا” تهدف الصومال إلى تعزيز موقفها في معالجة المخاوف الأمنية المشتركة وتعزيز السلام وضمان مستقبل مستقر لمواطنيها.

ويضاف إلى ما سبق أن هناك انتقادات مثارة ضد الحكومة الصومالية وتشكيك في هذه الخطوة من قبل بعض الاقتصاديين وخبراء الأمن. ومع ذلك، هناك شعور بالحس العملي في القرار الذي اتخذته الصومال بالسعي للحصول على عضوية “مجموعة شرق أفريقيا”. وتشكل المزايا المترتبة على تنسيق السياسات والمعايير والقواعد التنظيمية التجارية مع جيرانها في شرق أفريقيا سبباً أكيداً آخر لهذه الخطوة، إذ لا يؤدي هذا إلى تبسيط التجارة عبر الحدود فحسب، بل يبسط أيضًا الإجراءات الإدارية، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تقليل الحواجز والتكاليف التجارية. ويعكس القرار الصومالي أيضا منظوراً استشرافياً يهدف إلى تسخير فوائد التعاون الإقليمي لتحقيق الصالح العام لمواطنيها ومنطقة شرق أفريقيا برمتها.

عملية الانضمام إلى “مجموعة شرق أفريقيا”

بدأت الصومال العملية بتقديم طلب للانضمام إلى “مجموعة شرق أفريقيا” في عام 2012، ولكن الكتلة الاقتصادية الإقليمية لم تبدأ على الفور مهمة التحقق لتقييم مدى استعداد الصومال للعضوية حتى 25 يناير 2023 – أي بعد 11 عامًا. وفي 6 يونيو 2023 وافق رؤساء دول الكتلة في بوجمبورا ببوروندي على استنتاجات فريق التحقق, وهو ما أتاح لمجلس الوزراء وأمانة “مجموعة شرق أفريقيا” بدء المحادثات مع مقديشو بشأن عضوية الصومال.

ومما تغطيه المحادثات جميع ركائز التكامل في إطار “مجموعة شرق أفريقيا”. كما أنه من خلال ذلك سيتم مقارنة القوانين والأنظمة المعمول بها في الصومال, الإضافة إلى تحديد موعد وضع الصومال القوانين موضع التنفيذ ومواءمتها مع قوانين الدول الأعضاء في الكتلة.

ووفقا لـ “عبد السلام عمر”، فإن “الطريق إلى الأمام بالنسبة لأفريقيا وشرق أفريقيا هو التكامل الإقليمي وفتح الأسواق، حيث سيساعد ذلك على خفض تكلفة المنتجات؛ فالتكامل هو العدو اللدود للنوع الجديد من الإرهاب، ومع التكامل والتعاون الإقليميين ستتم هزيمة الإرهاب.”

وأضاف “عبد السلام عمر” أن “هناك الكثير الذي تأمل الصومال كسبه, وللإقليم أيضًا الكثير لتكسبه من الصومال بسبب ارتباطها بالشرق الأوسط وبالشتات في أوروبا وأمريكا وفي كل مكان.”

وتجدر بالذكر أن جميع الدول الأعضاء تحترم المبادئ والمثل العليا الواردة في معاهدة إنشاء “مجموعة شرق أفريقيا”، والتي تحدد إجراءات الانضمام أو قبول الأعضاء في الكتلة. وفي أغلب الأحيان “يقدم قادة كل دولة عضوٍ التوجيهاتِ العامة والدوافع لتطوير وتحقيق أهداف المجموعة من خلال جهاز علوي في “مجموعة شرق أفريقيا” يعرف باسم القمة”.

وتنعقد القمة، وهي تجمّع لرؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء في “مجموعة شرق أفريقيا”، سنويًا للنظر في المسائل التي يعرضها عليها مجلس الوزراء ولتحديد الأولويات المهمة على أعلى مستوى سياسي في إقليم شرق إفريقيا.

وتحتوي المادة 3 من معاهدة “مجموعة شرق أفريقيا” على أحكام قبول الأعضاء في الكلتة. وكانت جمهورية الكونغو الديمقراطية أحدث عضو ينضم رسميًا إلى الكتلة في مارس 2022، وهو ما ساهم في توسيع المجموعة ليصل إجمالي عدد دولها إلى سبعة, وسيصل عدد الأعضاء ثمانية في حال إضفاء الطابع الرسمي على الصومال في القمة القادمة.

عضوية الصومال: آفاقها وإمكاناتها

إن الصومال، باعتبارها دولة تتمتع بسواحل طويلة على طول المحيط الهندي وموارد زراعية وصيد الأسماك ومعدنية غير مستغلة، تحمل وعداً بالنمو الاقتصادي والازدهار. تتمتع البلاد بإمكانات هائلة في موقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية وسكانها الصامدين. وهذا يعني أن إضفاء الطابع الرسمي على انضمام الصومال في “مجموعة شرق أفريقيا” في قمة ديسمبر المقبلة لا يقل عن كونه تحويلياً, إذ سيمكّن حصول الصومال – على مقعد على طاولة هذه الكتلة الاقتصادية الإقليمية الديناميكية – من الوصول إلى عدد كبير من الفرص اقتصاديًا وسياسيًا.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن إمكانات الصومال داخل “مجموعة شرق أفريقيا” هائلة, حيث ستوفر لها عضوية الكتلة منصة هامة للتجارة والاستثمار. ومن الممكن أن تؤدي القدرة على التعامل مع الاقتصادات الإقليمية الراسخة إلى زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر وخلق فرص العمل والتنويع الاقتصادي. ومن الممكن أن تجد موارد الصومال غير المستغلة – مثل قطاعي الزراعة وصيد الأسماك – أسواقا وفرصا جديدة داخل “مجموعة شرق أفريقيا”، مما يعزز النمو ويحد من الفقر.

ومن الناحية السياسية، سيعزز انضمام الصومال إلى “مجموعة شرق أفريقيا” مكانتها كلاعب نشط ومحترم في شؤون شرق أفريقيا. وسيمكّن هذه الدولة أيضا من أن يكون لها صوت دبلوماسي أقوى ودور أكثر تأثيراً في معالجة التحديات الإقليمية، بما في ذلك القضايا الأمنية وحل النزاعات المحلية والوطنية والإقليمية.

ماذا يعنيه لإقليم شرق أفريقيا

لا شك أن توسّع “مجموعة شرق أفريقيا” سيواصل تعزيز الديناميكية الاقتصادية في إقليم شرق أفريقيا. ومن الممكن للصومال – بفضل إمكاناتها الزراعية الهائلة وموقعها الاستراتيجي – أن تصبح لاعباً مهماً في التجارة والاستثمار الإقليميين. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى زيادة التكامل الاقتصادي وخلق فرص العمل والرخاء المشترك، مما يعود بالنفع على الشعب الصومالي و”مجموعة شرق أفريقيا” بأكملها.

كما أن التشارك بين الدول الأعضاء في الكتلة غالبا ما يعزز أمن الإقليم واستقراره السياسي. وتوفر مشاركة الأعضاء في الكتلة فرصًا للتعاون في جهود مكافحة الإرهاب وإدارة الحدود وحل النزاعات. وهذا من شأنه أن يسهم في جعل شرق أفريقيا أكثر وحدة وأمانا واستقرارا. ومن ثم فإن صوت الصومال في الشؤون الإقليمية من الممكن أن يساعد في معالجة المخاوف الأمنية المشتركة وتعزيز الحوار الدبلوماسي.

ومما كشفته التطورات الأخيرة في الإقليم أن تعزيز التعاون الإقليمي في شرق أفريقيا بحاجة إلى دور صومال بارز. ومن خلال التزام الصومال بالتعاون والتكامل الإقليميين تستطيع “مجموعة شرق أفريقيا” أن توفر لها منصة لإعادة البناء والمشاركة بشكل بناء في الأنشطة السياسية والاقتصادية في الإقليم. بل سيكون نجاح ضم الصومال وتعزيز التكامل بمثابة شهادة على قدرة “مجموعة شرق أفريقيا” على الجمع بين الدول رغم اختلافاتها وتحقيق الأهداف المشتركة – مثل وجود عملة موحدة في الإقليم.

ماذا يعنيه للقارة الأفريقية

إن قبول دولة جديدة – الصومال – في كتلة إقليمية – “مجموعة شرق أفريقيا” – يحمل أهمية عميقة لأفريقيا ككل, وهو شهادة على التزام شعوب شرق إفريقيا بتعزيز الوحدة والسلام والازدهار وإيمان حكوماتهم المستمر بضرورة التعاون وتجاوز الحدود السياسية والجغرافية من أجل النمو والتكامل الإقيمي والقاري الأفريقي.

ويمكن لانضمام الصومال إلى “مجموعة شرق أفريقيا” أن يساهم في تأكيد قدرة القارة على حل الصراعات والتعافي في مرحلة ما بعد الصراع, حيث شهد ماضي الصومال المضطرب خروجه من سنوات من عدم الاستقرار والحرب الأهلية والصراع السياسي. وسيكون انضمامها إلى الكتلة الإقليمية رمزاً للأمل والقدرة على الصمود، إضافة إلى إظهار قدرة أفريقيا على تضميد جراح الصراع ومدّ يد الصداقة والدعم. وهو بمثابة شهادة على قوة المنظمات الإقليمية في مساعدة الدول على إعادة البناء وإعادة تأسيس نفسها على طريق التقدم والتنمية.

ومن الممكن أن يساعد التعاون الإقليمي المتزايد في معالجة التحديات الأمنية المعقدة التي لم تؤثر على الصومال فحسب، بل على الدول المجاورة أيضًا. ويسلط هذا النهج الجماعي الضوء على قدرة الدول الأفريقية عندما تستعد للعمل معًا لحماية السلام والرفاهية لشعوبها. وكل هذه الإجراءات والخطوات من الصومال والكتلة بمثابة منارة أمل ورمز للتضامن الأفريقي، وتؤكد على الرؤية الجماعية لتحقيق قارة مسالمة ومزدهرة وموحدة قادرة على فرض نفسها ونفوذها ومكانتها في الساحة العالمية.


يمكنك الاطلاع على النسخة الانجليزية من المقال هنا:

Somalia to join the EAC: What does it mean for the country, region, and Africa?


ظهرت المقالة الصومال تنضم إلى “مجموعة شرق أفريقيا”: ماذا يعني ذلك للدولة والإقليم وأفريقيا أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>
https://alafarika.org/ar/5660/what-does-joining-the-east-african-community-mean-for-somalia-and-the-region/feed/ 0 5660
“تحالف دول الساحل” : تهديد لنفوذ إيكواس؟ https://alafarika.org/ar/5652/%d8%aa%d8%ad%d8%a7%d9%84%d9%81-%d8%af%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%ad%d9%84-%d8%aa%d9%87%d8%af%d9%8a%d8%af-%d9%84%d9%86%d9%81%d9%88%d8%b0-%d8%a5%d9%8a%d9%83%d9%88%d8%a7%d8%b3%d8%9f/ https://alafarika.org/ar/5652/%d8%aa%d8%ad%d8%a7%d9%84%d9%81-%d8%af%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%ad%d9%84-%d8%aa%d9%87%d8%af%d9%8a%d8%af-%d9%84%d9%86%d9%81%d9%88%d8%b0-%d8%a5%d9%8a%d9%83%d9%88%d8%a7%d8%b3%d8%9f/#respond Sun, 12 Nov 2023 09:18:42 +0000 https://alafarika.org/ar/?p=5652

يمكن اعتبار هذا التحالف الدفاعي درسا أو إنذار لإيكواس من حيث إيلاء أهمية قصوى للتنمية والحكم الرشيد مع ضرورة بحث آليات الحد من الانقلابات بجميع أشكالها – بما في ذلك معاقبة الرؤساء الذين يغيّرون دساتير بلادهم للبقاء على الحكم مدى الحياة أو الزعماء الذين يتلاعبون بالعمليات الانتخابية وأصوات مواطنيهم كي تصب نتائجها لصالحهم أو صالح مرشحيهم المفضلين.

ظهرت المقالة “تحالف دول الساحل” : تهديد لنفوذ إيكواس؟ أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>

في منصف سبتمبر الماضي وقّعت ثلاث دول في الساحل (مالي وبوركينا فاسو والنيجر) اتفاقية دفاع مشترك باسم “تحالف دول الساحل”, وذلك للتعاون بينها لمكافحة الأزمات الأمنية ومساعدة بعضهم البعض في حالة وقوع هجوم على أي منها([1]). وهذا التحالف الدفاعي الجديد مختلف عن “تحالف الساحل” الذي أنشأته فرنسا وألمانيا والاتحاد الأوروبي في يوليو 2017 للتدخل العسكري وتمويل مشاريع التنمية في منطقة الساحل.

فما الاعتبارات السياسية والأمنية التي أدت إلى ظهور تحالف دول الساحل؟ وهل يشكّل تهديدا للمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)؟ وما احتمالية نجاح التحالف وفشله؟

اعتبارات سياسية وأمنية

سعت المجالس العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر إلى التحالف بينها بعد انقلاب 26 يوليو 2023 الذي قاده الجنرال عبد الرحمن تشياني وأطاح بـ “محمد بازوم” الرئيس النيجري الموالي للغرب, حيث تصاعدت المخاوف لدى المجلس العسكري في النيجر من إمكانية التدخل العسكري بعد التهديد من إيكواس لإعادة النظام الدستوري في البلاد. وقد تراجعت حدة هذا التهديد من إيكواس في الأسابيع الأخيرة حيث دولة مثل نيجيريا التي يرأس رئيسها “بولا أحمد تينوبو – هيئة رؤساء الدول والحكومات التابعة للإيكواس – لم تُبْدِ أي إرادة حقيقية للتدخل العسكري في جارتها, وخاصة أن نيجيريا نفسها تعاني أزمات بوكو حرام وانفصاليين في أجزاء كثيرة من البلاد.

ويرتبط إنشاء التحالف الجديد بحقيقة أن موجة الانقلابات التي بدأت في عام 2020 أثّرت سلبا في علاقات فرنسا مع مالي وبوركينا فاسو والنيجر, حيث الشعور العام بين شعوب تلك الدول أن هذا المستعمر السابق – فرنسا – على أراضيها لم يكن لمساعدتها على حل أزماتها الأزمنية[2], ولكن للهيمنة على ثروات هذه الدول ومواردها الطبيعية وبذل جهودها لإبقاء حلفائها على سدّة الحكم رغم أنف الانتقاد والمعارضة والرفض من قبل المواطنين. وساهم في توتر علاقات فرنسا مع هذه الدول حقيقة أن فرنسا رفضت الاعتراف بالمجالس العسكرية التي لم يكن يسيطر عليها حلفاؤها.

وعلى سبيل المثال: تدهورت علاقات مالي مع باريس بعد استيلاء المجلس العسكري على السلطة في انقلاب أغسطس 2020، وهو تطور أدى إلى انسحاب القوات الفرنسية وطلب السلطات العسكرية بمالي أيضا من القوات الأوروبية وبعثة الأمم المتحدة المتكاملة المتعددة الأبعاد لتحقيق الاستقرار في مالي (مينوسما) مغادرة البلاد. وفي حالة بوركينا فاسو التي شهدت في سبتمبر 2022 انقلابا عسكريا أطاح بالرئيس المؤقت “بول هنري سانداوغو داميبا” (قائد انقلاب يناير 2022 الذي أطاح بالرئيس روك مارك كريستيان كابوري), فقد طالب المجلس العسكري بقيادة “إبراهيم تراوري” من فرنسا سحب قواتها.

وفي النيجر, أدى رفض باريس الاعتراف بالسلطة العسكرية الجديدة ومخاوف من استخدام قواتها للإطاحة بالمجلس العسكري, إضافة إلى تصرحات دبلوماسييها المنتقدة للانقلابيين؛ كلها أدت إلى طلب المجلس العسكري النيجري من القوات الفرنسية ودبلوماسييها ترك أراضيها. ورغم رفض باريس هذا الطلب في البداية بدعوى عدم شرعية سلطة الحكومة العسكرية([3]), إلا أن باريس أذعنت في النهاية لضط النيجر ونقلت قواتها إلى تشاد المجاورة.

وفي ظل تراجع النفوذ الفرنسي؛ تواصل روسيا تعزيز وجودها وتتعاون مع المجلس العسكري في كل من مالي وبوركينا فاسو, بينما في حالة انقلاب النيجر لا توجد أدلة واضحة حتى الآن عن دور روسيا فيه حيث أن الدافع الأساسي لحدوثه قد يكون طموحات شخصية للجنرالات العسكرية([4]). وتؤكد على هذا حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية التي يتمركز نحو 1000 من جنودها في النيجر تبنّت موقفا تصالحيا مع المجلس العسكري, وأنها لم تصف ما حدث بانقلاب إلا بعد مرور شهرين حيث أعلنت واشنطن عن ضرورة الحفاظ على تواصلها مع قادة الانقلاب وعدم مغادرة الجيش الأمريكي لأنه لا يصب في “مصلحة” الدولتين (النيجر) أو الدول الأخرى في المنطقة مثل غانا وتوغو وبنين. وهذا يعني أن واشنطن فضّلت البقاء في النيجر تحت حكومة عسكرية بهدف إبطاء انتشار نفوذ روسيا في الساحل ومراقبة التعاملات المحتملة للنيجر مع فاغنر وإيران وغيرها من منافسي الولايات المتحدة الأمريكية.

ومن الناحية الأمنية؛ تعاني هذه الدول الثلاث المتحالفة تحدّيا أمنيا أجبر هذه الدول على استضافة مهمات عسكرية من فرنسا التي قادت مع جهات محلية ودولية لأكثر من عقد عمليات متعددة مثل برخان (التي انتهت في عام 2022) وسَبْري (Sabre, التي انتهت في عام 2023). وتعدّ ليبتاكو-غورما – التي يحمل ميثاق التحالف اسمها – منطقة شاسعة تلتقي فيها حدود مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتبلغ مساحتها 370 ألف كيلومتر مربع ويسكنها 45 في المئة من إجمالي سكان الدول الثلاث. وتعاني المنطقة أيضا تمرداً مسلحاً بدأ في شمال مالي عام 2012 وامتدّ إلى النيجر وبوركينا فاسو في عام 2015.

على أن المهام العسكرية الفرنسية اكتسبت في السنوات الأخيرة تصورا سلبيا نتيجة تفاقم الأوضاع الأمنية ومزاعم تعاون باريس مع بعض المسلحين. إضافة إلى أن القوة المشتركة لمجموعة الساحل الخمس (بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر) لم تكن مؤثرة بسبب افتقارها للموارد واعتمادها على التمويل الأجنبي.

ومما يؤكد الاعتبارات الأمنية لتشكيل هذا التحالف الدفاعي الجديد ما أشار إليه القائد العسكري المالي “آسمي غويتا” في إعلان التوقيع على ميثاق ليبتاكو-غورما الذي أنشأ التحالف, إذ قال إن “أي اعتداء على سيادة وسلامة أراضي طرف أو أكثر من الأطراف المتعاقدة سيعتبر اعتداءً على الأطراف الأخرى”, وأن الدول الثلاث ستعمل معا لمنع أو تسوية التمردات المسلحة.

تهديد لفوذ إيكواس وبداية انهيارها؟

يرى البعض أن ظهور التحالف الدفاعي بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر يهدد إيكواس ونفوذها في غرب إفريقيا؛ إذ في حالة خروج 3 دول (من إيكواس المكونة من 15 عضوا) من أي اتفاق عسكري قائم داخل الكتلة سيحثّ دولا أخرى لفعل الشيء نفسه تضامنا مع تلك الدول الثلاث أو تمرّدا على قرار الكتلة التي لا يصب في مصلحتها, وخاصة أن التحالف الجديد أشار إلى أن أبوابه مفتوحة لانضمام أي دولة تتفق وجهات نظرها معها.

ومما يعضد الموقف السابق أن معظم شعوب غرب إفريقيا عارضوا العقوبات التي فرضتها إيكواس على النيجر في أعقاب انقلاب يوليو الماضي والتي شملت إغلاق الحدود وقطع الكهرباء والتهديد بالتدخل العسكري الذي أجبر الانقلابيين في جيران النيجر (بوركينا فاسو ومالي) إلى إيجاد ترتيب مناسب للتغلب على مخاوفهم من عدم اليقين والتوتر المتصاعد مع فرنسا. بل استغلّ الانقلابيون هذه العقوباب والتهديد من إيكواس والشعور المعادي لفرنسا للترويج لفكرة أن زعماء إيكواس – بغض النظر عن انتخابهم ديمقراطياً – كانوا أداة لفرنسا, رغم أن لمعظم هؤلاء الانقلابيين أنفسهم روابط وتعاونات مهنية وعسكرية سابقة مع فرنسا أو حلفائها.

ويضاف إلى ما سبق أن هناك جهودا أمنية أخرى في المنطقة سبقت هذا التحالف الجديد, وهي “مبادرة أكرا” التي أُنشِئت في عام 2017 وتضم كأعضاء بنين وبوركينا فاسو وساحل العاج وتوغو, وذلك لمواجهة التهديدات الإرهابية في الساحل المتجهة جنوبًا. وتحظى المبادرة منذ إنشائها بدعم إقليمي ودولي([5]). ويعني ظهور تحالف جديد أن المنطقة أمام مبادرتين أمنيتين قادرتين على تقسيم المنطقة دون الإقليمية – إحداها تقف إلى جانب إيكواس والأخرى إلى جانب المجالس العسكرية-, الأمر الذي سيشتّت الانتباه الإقليمي ويقلل من التعاون وتوحيد الجهود بغرب إفريقيا والساحل فيما يتعلق بالاضطرابات التي تهدد السلام.

احتمال النجاح والفشل

تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر ضعفا في القدرات الفنية واللوجستية العسكرية اللازمة لمحاربة تهديدات الإرهاب والتمرّد المسلح, كما أن قدراتها الاقتصادية محدودة لتمويل تحالفها الدفاعي كي يكون فعالا على المستوى دون الإقليمي. وقد يعني تركيزها على الجهود العسكرية فقط تجاهلا للأسباب الجذرية لظهور معظم هذه التمردات, مثل تدهور الظروف الاجتماعية والاقتصادية والمظالم الإدارية في المناطق النائية والتي تدفع بالشباب إلى الانضمام إلى الإرهابيين والمسلحين. وقد كشفت جهود مكافحة الإرهاب في دول إفريقية مخلتفة أن تبنّي العمليات العسكرية وحدها – دون معالجة تحديات الحكم الرشيد – غالبا ما يعزّز التصعيد والعنف ضد المدنيين ويطيل أمد انعدام الأمن([6]).

وفي حين أن روسيا هي المستفيد الأكبر من تراجع النفوذ الفرنسي في الساحل, إلا أن جميع المؤشرات تؤكد أن لجوء هذه الدول إلى روسيا قد لا يلبي جميع متطلباتها الأمنية الراهنة. وقد يستغل التحالف اعتراف واشنطن بالحكومة العسكرية في النيجر لصالحه, أو تبحث مع أطراف دولية أخرى مثل تركيا والصين. وهناك إيران التي تسعى نحو تعزيز التعاون مع الدول الإفريقية للتخفيف عن عزلتها ومواجهة آثار العقوبات الصارمة المفروضة عليها بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الذي تم التفاوض عليه دوليا في عام 2018, وخاصة أن الرئيس الإيراني “إبراهيم رئيسي” أكد عن استعداد طهران للتعاون الاقتصادي مع النظام العسكري بالنيجر الغنية باليورانيوم خلال اجتماعٍ مع وزير الخارجية النيجري “بكاري ياو سانغاري”([7]).

وأخيرا, يمكن اعتبار هذا التحالف الدفاعي درسا أو إنذار لإيكواس من حيث إيلاء أهمية قصوى للتنمية والحكم الرشيد مع ضرورة بحث آليات الحد من الانقلابات بجميع أشكالها – بما في ذلك معاقبة الرؤساء الذين يغيّرون دساتير بلادهم للبقاء على الحكم مدى الحياة أو الزعماء الذين يتلاعبون بالعمليات الانتخابية وأصوات مواطنيهم كي تصب نتائجها لصالحهم أو صالح مرشحيهم المفضلين.

وفيما يتعلق بالتحالف الدفاعي بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر(تحالف دول الساحل)؛ فإن الحكومات العسكرية في تلك الدول االثلاث قد تواجه في السنوات القليلة المقبلة انتقادات شعبية أو معارضة داخلية أو احتجاجات ضدها من قبل المواطنين الذين لم يروا حدوث أي تغيير منذ توليها للسلطة. وقد يكون التحالف فعالاً أيضا كمنصة للانقلابيين الجدد والمجالس العسكرية في تأمين ظهر بعضهم البعض ضد أي قوة إقليمية أو معارضة قارية ودولية.

ـــــــــــــــــ

[1] – Moda Dieng & Philippe M. Frowd (2023). “Burkina Faso, Mali and Niger have a new defence alliance: an expert view of its chances of success”. The Conversation, retrieved from https://shorturl.at/bwQV2 (visited on November 11, 2023).

[2] – Isabelle King (2023). “How France Failed Mali: the End of Operation Barkhane”. Harvard International Review, retrieved from https://shorturl.at/uPQTW (visited on November 11, 2023)

[3] – Leila Abboud, & Aanu Adeoye (2023). “France to withdraw troops from Niger by end of year”. Financial Times, retrieved from https://shorturl.at/rvyBF (visited on November 11, 2023)

[4] – محمد طاهر زين (2023). “انقلاب النيجر: أسبابه وأبعاده وتداعياته”. الأفارقة للدراسات والاستشارات, عبر رابط https://alafarika.org/ar/5603/ (اطلع عليه في 11 نوفمبر 2023)

[5] – Sampson Kwarkye , Jeannine Ella Abatan, & Michaël Matongbada (2019). “Can the Accra Initiative prevent terrorism in West African coastal states?”. ISS Africa, retrieved from https://shorturl.at/cwAL3 (visited on November 11, 2023)

[6] – United Nations (SC/15249/2023). “Root Causes of Conflicts in Africa Must Be Addressed beyond Traditional Response, Special Adviser Tells Security Council Debate on Silencing Guns”. Meetings Coverage and Press Releases (9299TH Meeting), retrieved from https://shorturl.at/grAWZ (visited on November 11, 2023)

[7] – “Iran ready to cooperate with Niger’s new regime.” TRT Afrika, retrieved from https://shorturl.at/cmLPQ (visited on November 11, 2023)

ظهرت المقالة “تحالف دول الساحل” : تهديد لنفوذ إيكواس؟ أولاً على الأفارقة للدراسات والاستشارات.

]]>
https://alafarika.org/ar/5652/%d8%aa%d8%ad%d8%a7%d9%84%d9%81-%d8%af%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b3%d8%a7%d8%ad%d9%84-%d8%aa%d9%87%d8%af%d9%8a%d8%af-%d9%84%d9%86%d9%81%d9%88%d8%b0-%d8%a5%d9%8a%d9%83%d9%88%d8%a7%d8%b3%d8%9f/feed/ 0 5652