المشروع الأفريقي للمغرب في ظل الصراع الدولي خلال القرن السادس عشر الميلادي

لا يمكن معالجة التوسع المغربي على حساب إفريقيا جنوب الصحراء(بلاد السودان الغربي) والقضاء على دولة الصنغاي خلال العصر الحديث دون وضعه في سياقه الدولي إذ تميز الوضع السياسي بالحوض الغربي للمتوسط خلال هذه المرحلة بالتوتر بين أهم القوى السياسية الفاعلة آنذاك الإمبراطوريتين العثمانية والإسبانية، فقد شهد ق16م صعود نجم الإمبراطورية العثمانية وسيطرتها على معظم دول الشمال الافريقي وتحويلها إلى إيالات تابعة لها سياسيا باستثناء المغرب، كما شهد أيضا تخلص الاسبان من الوجود العربي الاسباني واسترجاع منطقة الاندلس نهاية ق15م والشروع في بناء إمبراطورتيها الاستعمارية عبر ارتياد السواحل الافريقية والامريكية، ولا نجد أبلغ من قول أحمد المنصور الذهبي حول هذه المرحلة باعتباره معاصرا للأحداث: «اليوم أغلق أمامنا باب الأندلس بعد الغزو الكامل الذي قام به أعداؤنا الكفار لهذا البلد، ولم تعد لنا أي حرب مع تلمسان أو ما تبقى من الجزائر بعدما استحوذ الأتراك على هذه الأراضي… وأيضا فإن بلاد السودان أنفع من إفريقية، فالاشتغال بها أولى من منازلة الأتراك لأنه تعب كثير في نفع قليل…»[i].

العلاقات المغربية العثمانية بين التوتر والتقارب

  سوف لن نتطرق إلى تاريخ الإمبراطورية العثمانية من مؤسسات اقتصادية وسياسية وعسكرية وما خلفته من إنجازات كبرى منذ نشأتها إلى حين القضاء عليها من طرف الإمبريالية الأوربية، بقدر ما سنركز على أهم الأحداث التي كانت الإمبراطورية فاعلة فيها أو طرفا رئيسيا بها منذ بداية القرن15م إلى مستهل القرن17م والتي أثرت إما سلبا أو إيجابا على مجريات الأحداث بدول الجوار في الضفتين الشمالية والجنوبية خلال الفترة المذكورة.

   فالعلاقات المغربية العثمانية حديثة العهد مقارنة مع بعض القوى السياسية الأخرى (ممالك السودان الغربي كمملكة غانا ومالي، وبعض ممالك أوربا الجنوبية)، بدأت بعد الفتح العثماني للعاصمة البيزنطية القسطنطينية سنة 1453م من طرف محمد الفاتح، وقد تزامن هذا الحدث الدولي(فتح القسطنطينية) مع حكم آخر ملك مريني عبد الحق بن أبي سعيد الثاني(1420-1465م) الذي وجه رسالة تهنئة إلى السلطان العثماني محمد الفاتح بهذه المناسبة لتكون الدولة المرينية أول دولة عقدت علاقات سياسية مع الدولة التركية الصاعدة في الحوض الشرقي للمتوسط. غير أن أزهى فترات التواصل السياسي بين المغرب والدولة العثمانية كان إبان الدولة السعدية التكمدارتية نظرا للأحداث والوقائع التي همت بالخصوص الأوضاع السياسية بالبحر الأبيض المتوسط.

اشترك ليصلك جديد الأفارقة

    لكن هذه العلاقات شابها نوع من التوتر السياسي والعسكري خاصة في المراحل الأولى من عمر الدولة السعدية نتيجة تداعيات القضاء على الدولة الوطاسية ولجوء أبي حسون الوطاسي إلى الأتراك لاستعادة عرشه، حيث كان رد فعل الدولة السعدية قويا في شخص محمد الشيخ المهدي (1540-1557م)، إذ قام باحتلال تلمسان سنة 1551م مما جلب عليه دخول الأتراك إلى فاس وعودة أبي حسون إلى العرش، وقد زاد عدم الاعتراف السعدي بالسيادة العثمانية من تأجيج الصراع بين الدولتين. بالفعل ونظرا لنسبهم الشريف أنف السعديون التبعية للدولة العثمانية كما فعل الوطاسيون قبلهم، والذين سعوا بشتى الوسائل لإرضاء الباب العالي، في الوقت الذي ظلت فيه الدولة العثمانية تعتبر السلاطين المغاربة مجرد تابعين للخلافة بإسطنبول، يظهر ذلك من خلال الرسالة التي وجهها سليمان القانوني لمحمد الشيخ المهدي بتاريخ فاتح محرم 959ه/1552م، ينوه فيها بالمجهودات الجادة التي بدلها هذا السلطان في الرد على العدو المشترك “البرتغال”[ii].

  وقد لعب عامل الجوار ومسألة الانتماء الديني دورا مهما في التدخل العثماني في الشؤون الداخلية للمغرب خاصة في لحظات الصراع حول العرش، فكثيرا ما تدخل الأتراك لحسم الصراع بتنصيب هذا السلطان أو ذاك كما لعبت الصراعات السياسية بين القوى في حوض البحر الأبيض المتوسط دورا مهما في اختيار الأحلاف وتوجيهها، فنظرا للتوتر الذي ساد علاقة الباب العالي  بمحمد الشيخ المهدي، دفع هذا الأخير إلى التحالف مع الإسبان لضرب الإمبراطورية العثمانية[iii]. وخوفا من هذا التحالف لجأ الباب العالي إلى تغيير واليه بالجزائر حسن باشا لرفضه كل تعاون مع المجاهدين حماة الإسلام أي السعديين، خاصة وأن الإمبراطورية كانت تخوض حروبا مع دول أوربا.

  ونظرا للمناوشات السياسية والعسكرية التي كانت تتم بين الفينة والأخرى بين الطرفين، سعت الدولة العثمانية جاهدة لحسم الصراع عن طريق رسم الحدود بين الإيالة التركية(الجزائر) والمغرب الأقصى مما نتج عنه اغتيال محمد الشيخ المهدي سنة 1557م[iv]، نظرا لتعنته ورفضه البات للمسعى العثماني ولرده برسالة تحقيرية للسلطان العثماني مع الوفد الذي أوكلت له مهمة المفاوضة حول رسم الحدود قائلا: «قل لأمير الحواتة سلطانك إنني سأنازعه على ملك مصر»[v].

  هذه السياسة التي دأب عليها بعض الملوك السعديين رافعين شعار “لا للتقارب السياسي” مع الأتراك الذي كلف عبد الله الغالب التنازل عن حجرة باديس لصالح الإسبان لدفع الخطر التركي مما أثار عليه غضب الفئات الشعبية المغربية[vi]، لتظهر من جديد الأزمة التي لازمت الدولة المغربية طيلة القرنين 15م و16م والمتمثلة في الصراع حول العرش بين أفراد الأسرة الحاكمة والتي دامت هذه المرة حوالي أربع سنوات، أي منذ وفاة عبد الله الغالب سنة 1574م إلى حدود 1578م، والتي تؤرخ لحدث وطني بمقياس دولي هو معركة وادي المخازن الشهيرة التي أسفرت عن الهزيمة المخزية لدولة البرتغال الأكثر تطاولا على التراب المغربي، مما جنب المغرب المزيد من مغامرات الأوربيين وكبح جماحهم، ومنحه هيبة لم تتكسر إلا مع هزيمة إسلي في منتصف ق19م[vii]. ويبقى السؤال المطروح هو: هل كانت للدولة السعدية العدة المادية والعسكرية الكافية لصد الأخطار التي كانت محدقة من الشرق و الشمال؟

  بغض النظر عن الظروف السياسية التي عاشها المغرب خلال هذه الفترة فقد تمكن من الحفاظ على استقلاله من جهة، وتحقيق نوع من التوازن السياسي في حوض البحر الأبيض المتوسط من جهة أخرى. فقد استغل البلاط السعدي ذلك التنافس الحاد بين القوى السياسية في الحوض الغربي للمتوسط وحاول التقرب من القوة الأقل ضررا وهي اعتبارات جديدة فرضتها متغيرات المحيط السياسي على الحكام المغاربة للتكيف مع القوة الاقتصادية والعسكرية المتصاعدة بأوروبا[viii].

  كما ساهمت النتائج البشرية لمعركة وادي المخازن في فتح المجال لسلطان سيكون له شأن كبير في تاريخ المغرب السعدي، ألا وهو أحمد المنصور الذهبي الذي تولى عرش المغرب من 1578م إلى حدود 1603م، خمس وعشرون سنة من الحكم حافلة بالمنجزات السياسية والاقتصادية والفكرية.

  فعلى الصعيد السياسي، انشغل أحمد المنصور بثلاث قضايا أساسية شكلت محط اهتمامه، علاقاته بالقوى السياسية الكبرى آنذاك الدولة العثمانية والإسبان، ثم مشروعه الإفريقي المتمثل في ضم السودان الغربي.

   حافظ المنصور على علاقات ودية مع الأتراك وباقي الدول الأوربية ولم يحدث ما يعكر صفو هذه العلاقات خاصة مع العثمانيين إلا تداعيات معركة وادي المخازن[ix]. وهنا نسجل أن هاجس الخلافة لدى أحمد المنصور كان أحد الأسباب الخفية للصراع العثماني السعدي[x]، ويظهر ذلك جليا من خلال المراسلات التي تمت بينه وبين مراد الثالث، وإدريس ألوما ملك بورنو، الذي شكل محطة من محطات الصراع العثماني السعدي الخفي خاصة جنوب الصحراء ويتضح أيضا من خلال الحملات العسكرية العثمانية نحو الصحراء، من بينها الحملة لاحتلال توات سنة 1579م وكذلك الصراع الذي دار بينه وبين حسن باشا (الجزائر) حول واحة فكيك سنة 1583م والذي انتهى لصالح السعديين بعد تدخل تحكيمي من طرف إسطنبول[xi].

العلاقات المغربية الإيبيرية والتوازنات السياسية

   يبدو أن الصراع السياسي بين المغرب السعدي والإمبراطورية العثمانية بالشمال الإفريقي أرخى بظلاله على العلاقات السياسية بين السعديين ودول شبه الجزيرة الإيبيرية البرتغال والإسبان علما أن، من أهم المبادئ الرئيسية التي قامت على أساسها الدولة السعدية هي فكرة الجهاد. فسلاطين الدولة ظلوا أوفياء لمبادئهم في البداية على الأقل وأول اصطدام عسكري مع البرتغال قام حول حصن فونتي (أكادير) سنة 1511م غير أنه باء بالفشل ودفع بالسلطان السعدي محمد القائم بأمر الله إلى الدخول في مفاوضات مع حاكم سانتاكروز دوم فرانسيسكو دي كسرو(Dom Francisco De casro) انتهت بعقد اتفاقية هدنة بين الطرفين ساهمت في تسهيل العلاقات التجارية بين برتغاليي الحصن وسكان المنطقة إذ شرعا الطرفان في تبادل المنتوجات المستوردة من أوربا بمنتوجات المناطق المحادية للحصن[xii].

  ويظهر أن عدم توازن القوة بين الطرفين كان سببا في توقيع اتفاقية الهدنة من طرف السعديين التي تم تجديدها بعد مضي فترة من الزمن لكنه كان أيضا بمثابة إجراء تكتيكي من طرف السعديين لاستجماع قواهم ومهاجمة الحصن. يظهر ذلك من خلال المراسلات التي وجهها برتغاليو الحصن إلى الملك يوحنا الثالث يحذرونه فيها بعدم المغامرة والتخلي عن السواحل الإفريقية بما فيها سانتاكروز، ولم تتجدد الاشتباكات مع البرتغاليين حول الحصن إلا في سنة 1533م مع محمد الشيخ السعدي عندما كان واليا على السوس غير أنه فشل بدوره في استعادة الحصن إلى حاضرة المملكة السعدية نظرا لاستمرار عدم توازن القوة بين الطرفين فتم التخلي عن هذا المشروع لمدة تزيد عن سبع سنوات وهذا ما يعبر عن ذكاء الشاب محمد الشيخ الذي استغل هذه الهدنة أو الاستراحة لتزويد المنطقة بالأسلحة المتطورة عن طريق مراسي صغيرة وعن طريق تجار من أوربا، كما استفاد من خبرة المورسكيين في صنع أسلحة محلية[xiii]. ولم تكد تنتهي  مدة الهدنة سنة 1540م وتطل سنة 1541م حتى تمكن السعديون من السيطرة على الحصن، ويضيف صاحب كتاب “تاريخ سانتاكروز” سببا آخر لفشل البرتغالين يتعلق بالجبهات الأخرى التي فتحوها للحرب في أمريكا اللاتينية، وبذلك تشكل سنة 1541م حدثا مهما للتواجد البرتغالي بالمغرب، إذ شكل هذا التاريخ أول تمزيق في بنية المغرب البرتغالي[xiv].

   فالنجاح العسكري الذي حققه السعديون عزز سلطتهم بالمغرب في الوقت الذي عزز الأتراك العثمانيون تواجدهم بالجزائر، وقد أدرك محمد الشيخ المهدي النوايا التركية إذ كانت حادثة فاس سنة 1554م(الدخول الثاني) نقطة تحول هامة في تاريخ الدولة الناشئة، حيث ظهر كخصم لدى الأتراك ومن المعارضين لسياستهم التوسعية في بلاد المغرب لذلك وجه اهتمامه صوب الإسبان والبرتغال مقابل التقارب العثماني الفرنسي.

  هذا التنافس السعدي العثماني على شمال إفريقيا بل وعلى الخلافة الإسلامية كان في صالح الإسبان والبرتغال، فقد أصبح الأتراك العثمانيون العدو المشترك لهذه القوى بالبحر الأبيض المتوسط، مما نتج عنه نوع من التقارب بين هذه الأطراف الثلاث، ويظهر ذلك من خلال الرسالة التي وجهها الملك جان الثالث (Juan III) إلى ضابط مازكان البرتغالي ألفارو دي كارفاليو في يونيو سنة 1554م جوابا على الطلب الذي تقدم به المولى محمد الشيخ إلى كل من لشبونة ومدريد لمده بقوات عسكرية ضد الأتراك مقابل تجديد بعض الشروط التي فرضها البرتغاليون، كتسليم بعض المراكز البحرية التي يهدد عبرها الأتراك الطرفين خاصة باديس والعرائش وتموين القوات المسيحية ثم ضرورة إخبار الإمبراطور الإسباني[xv]. أسفرت هذه الرسالة عن توقيع هدنة بين السعدييين والبرتغاليين بواسطة حاكم مازكان لمدة ستة أشهر في مطلع سنة 1555م وقد كلف محمد الشيخ المزوار المنصور بوغانم للقيام بهذه المهمة.

انتهت هذه المرحلة بوفاة السلطان محمد الشيخ سنة 1557م مما يدفعنا إلى التساؤل: هل الخلف نهج سياسة السلف أم أن الدبلوماسية فرضت الإخلاص لمؤسس السلالة السعدية محمد الشيخ؟

  يبدو من خلال تتبعنا للعلاقات السعدية مع دول شبه الجزيرة الإيبيرية أن الفترة التالية لمحمد الشيخ تميزت بالصراع مع البرتغال، إذ في سنة 1562م سيحاول الملك السعدي عبد الله الغالب استعادة مازكان(الجديدة) بدون جدوى من البرتغاليين، وتعتبر بعض الدراسات هذه المحاولة آخر ضربة عسكرية قام بها السعديون لتحرير التراب الوطني فقد تم بعد ذلك إخلاء باقي المواقع المحصنة الأجنبية عبر المفاوضات أو عبر عوامل أخرى مستقلة عن إرادة السلاطين[xvi].

  أما مع الإسبان فقد اضطر خلفاء محمد الشيخ نهج سياسة خارجية ثابتة اتجاههم نظرا لحدود إمكانياتهم العسكرية كما استطاعوا تمييز المظاهر الكبرى لهذه الحقبة الموسومة بالصراع بين أكبر الإمبراطوريات بالبحر البيض المتوسط، العثمانيون وإسبانيا، مما دفعهم إلى الاعتماد على إمكانياتهم الدبلوماسية التي خولت لهم إنقاذ مملكتهم من سيطرة أحد الطرفين.

   تميزت الفترة الممتدة ما بين 1557م و1577م بالاصطدامات العسكرية الكبيرة بين الإسبان والدولة العثمانية، وهي ظرفية دولية ملائمة استفاد منها عبد الله الغالب إذ كانت الحملة العثمانية على مالطة سنة 1564م لكنها باءت بالفشل وكشفت عن ضعفها من الناحية العسكرية فلم تعد تشكل أي خطر على قوى البحر الأبيض المتوسط بعدما جاءت نكبة 1571م المتمثلة في معركة “ليبانتي” حيث دمر فيها الأسطول العثماني بكامله، أصبحت الواقعة ذات دلالة كبيرة في تاريخ الصراع العثماني الإسباني الذي انتهى أخيرا سنة 1574م حيث تمكن العثمانيون من السيطرة على تونس وانتزاع شرف الانتصار خلال معركة “حلق الواد”.

  وفي الوقت الذي اشتد فيه ذلك الصراع كان عبد الملك أحد إخوة السلطان عبدالله الغالب قد لجأ إلى الجانب التركي وحاول ربط علاقات مع الأتراك والإسبان[xvii] مما أدى إلى تحول خطير في السياسة المغربية اتجاه الدولة العثمانية، فبعدما عزف السلطان المغربي عن استقبال موفدين عثمانيين بادر بنفسه إلى إيفاد سفارة إلى الباب العالي بقيادة التمكروتي[xviii].

   والسبب ناجم عن اختلال العلاقات التي حاول أن يربطها عبد الملك مع الإسبان وهو في اسطنبول والوعود الإسبانية بمد العون له في حالة تراجع الدولة العثمانية، هذه السياسة التي سلكها عبد الله الغالب كلفته غاليا:

1- فعلى المستوى الترابي، تنازل للإسبان عن حجرة باديس، وهذا الإجراء السياسي يراه المؤرخ المجهول رأيا فاسدا رغم أنه يضعه في إطاره الصحيح وهو ما تؤكده الوثائق الإسبانية إذ تشير إلى كون تصرفه هذا كان مخافة إخوانه أن يأتوه من الجزائر فقد كانت «عمارة أهل الجزائر وسفنهم لا تخلو من”مرسى باديس” ومسافري الجزائر لايركبون إلا من باديس إلى المشرق والمغرب، ولا ينقطع الترك عليها في كل أوان فكتب سلطان النصارى واتفق معه أن يخلي الإيالة من حجرة باديس وبيع له البلاد ويخليها من المسلمين وتنقطع مادة الترك من البلاد»[xix].

2- إضافة إلى موقفه السلبي من الثورة الموريسكية التي اندلعت في غرناطة سنة 1568م وهي سياسة سلكها ربما للضغط على الإسبان بورقة المورسكيين للحصول على مصالح أخرى، هذا الموقف يفسره المجهول قائلا: «فساروا يكتبون إلى ملك المسلمين شرقا وغربا وهم يشدونهم في الإغاثة وأكثر كتبهم إلى مولاي عبد الله وهو القريب من أرضهم، وكان قد قوي سلطانه، وجندت أجناده وكثرت أعداده فأمرهم غشا منه أن يقوموا على النصارى… فلما قاموا تراخى عما وعدهم به وكذب عليهم غشا لهم ولدين الله تعالى ومصلحة ملكه الزائل… وعبد الله المخذول في سلطانه لا يبالي بما يقع للمسلمين وذلك صحيفته غش المسلمين وصادق النصارى وباع لهم باديس وأقدم الجيش من أهل الأندلس الفارين بدينهم ليتعصب بهم فتمهد في ملكه وقد ابتلاه الله تعالى بالضيقة ولعذاب الآخرة أشد إن لم يتجاوز الله سبحانه وتعالى…»[xx].

   أما عبد الملك الذي لجأ إلى الجزائر ومنها إلى اسطنبول للحصول على المساعدة، فقد اتخذ من هذه المدن قاعدة لإجراء اتصالات مكثفة مع مختلف القوى التي كان لها حضور في عالم البحر الأبيض المتوسط[xxi]. كان الرجل يعرف اللعبة السياسية ومختلف التحالفات والمصالح التي كان يسعى كل طرف من الأطراف المتنازعة للحفاظ عليها أو كسبها، ولعل ما ساعده في هذه اللعبة إتقانه للغات المتوسط. وتظهر علاقته مع إسبانيا من خلال بعض رسائله إلى فليب الثاني:

1)- إحداها صادرة من الجزائر وتحمل تاريخ 08 أكتوبر1570م وهي رسالة تضع اليد على المضايقات التي كان يعاني منها الأمير السعدي من باشا الجزائر الذي كان يصر على مرافقته أينما حل وارتحل ربما بسبب تخوفه من العلاقات التي كانت لعبد الملك مع الإسبان.

2)- الوثيقة الثانية: تحمل تاريخ 9 فبراير 1574م يخبر فيها عبد الملك فليب الثاني باستعداده للذهاب إلى مدينة فاس وهذا الاختيار يدل على أن إسبانيا لم يكن لها أي اعتراض على تغيير القيادة في المغرب من المتوكل إلى عبد الملك الذي عكس ما تصوره المصادر المغربية كونه أتى بالأتراك، بل كانت له علاقات مع الإسبان قبل توليه السلطة[xxii].

  انتهت هذه المرحلة بحدث هام في تاريخ المغرب كانت له أبعاد دولية سواء في غرب المتوسط أو شرقه[xxiii] وهو معركة وادي المخازن سنة 1578م،«فبفضل هذه المعركة نجا المغرب نهائيا من المطامع الإيبيرية والتركية بالجزائر معا الذين تخلوا عن مخططاتهم في الغزو»[xxiv].

  فما هي السمات البارزة للعلاقات المغربية الإسبانية بعد سنة 1578م؟

  إنها فترة حكم أحمد المنصور السعدي الخبير بالعلاقات بين دول البحر المتوسط لأنه عايش تحركات الأتراك والإسبان اتجاه المغرب إلى جانب أخيه عبد الملك، لذلك تميزت سياسته اتجاه الطرفين بالحيطة والحذر والمراوغة والتي شكلت مقاومة سياسية كبيرة لصد الأخطار الخارجية، فالدهاء الكبير لأحمد المنصور مكنه من اللعب على الحبلين عن طريق تقديم الدعم المادي والعسكري للعثمانيين اتجاه الإسبان تارة، والتقرب من الإسبان للحصول على المساعدة تارة أخرى. إضافة إلى أسلوب المراوغة الذي اعتمده بلعب ورقة التنازل على العرائش باعتبارها مركزا حساسا ستمكن أحد الطرفين من مراقبة الآخر.

  سياسة الموازنة هاته حافظت على استقلال المغرب لكنها لم تنجح في طرد الإسبان من العديد من المراكز الساحلية الأطلسية والمتوسطية، فقد حافظوا على تواجدهم في كل من وهران والمرسى الكبير ومليلية[xxv]، واستولوا على العديد من المراكز التي كانت تحت تصرف البرتغاليين كالجديدة وطنجة وسبتة بعد التخلي البرتغالي عنها سنة 1578م بموجب الزواج السياسي بين العائلتين الملكيتين في شبه الجزيرة الإيبيرية[xxvi]، رغم اضطرارهم على التخلي سنة 1589م عن مدينة أصيلا لفائدة المغرب بسبب تصاعد القرصنة السلاوية ضد السفن الإسبانية[xxvii].

  خلاصة القول أن العلاقات المغربية التركية والعلاقات المغربية الإيبيرية تحكمت فيها بشكل كبير المستجدات التي كانت تطفو على السطح بين الفينة والأخرى في عالم البحر الأبيض المتوسط، مما دفع بالسلاطين السعديين إلى الخلق السياسي ومداراة أعتى القوى السياسية والعسكرية للحفاظ على استقلال المغرب ووحدته الترابية.

ملابسات الأزمة السياسية السعدية الصنغانية.

  نسجت الدولة السعدية علاقات سياسية مع العديد من ممالك السودان الغربي في مقدمتها مملكة “كانم-بورنو”، كما عرفت في نفس الوقت توترا في علاقتها مع إحدى الممالك الهامة وهي إمبراطورية الصنغاي. فكيف تم ذلك؟ وفي أي إطار؟ وماهي النتائج التي ترتبت عن ذلك؟

1- العلاقات الدبلوماسية بين الدولة السعدية ومملكة كانم-بورنو:

   مملكة كانم- بورنو من الممالك السودانية القديمة التي لم تحض بالاهتمام الكافي من طرف المؤرخين كمثيلاتها غانا ومالي والسنغاي، وهي من أكبر الدول التي ظهرت بالمفازات الشاسعة الممتدة من النيل إلى النيجر. شكلت هذه المملكة إلى جانب البورنو إحدى دول السودان التي عمرت طويلا إذ يرجع تاريخ ظهورها إلى الفترة التي ظهرت فيها السنغاي القديمة بعاصمتها كوكيا  فربطت علاقات تجارية جد مبكرة مع دول المغرب الكبير.

  ويعتبر شعب “الصاوو” وهو من الشعوب النيلية (نسبة إلى منطقة النيل) التي هاجرت واستقرت بالقرب من بحيرة التشاد إلى جانب الهجرات البشرية المتتالية من الخارج، النواة البشرية لدولة الكانم –بورنو التي استطاعت تكوين حضارة جد متميزة تتمثل في نمط عيش ذي تركيبة جديدة بين إفريقيا الغربية وإفريقيا الشرقية.

 ورغم المشاكل السياسية والاقتصادية والحروب التي خاضتها مع الشعوب المجاورة ظلت شخصيتها حاضرة إلى حدود ق17م واستطاعت أن تمدن السودان الأوسط خلال العصر الوسيط على غرار ما فعلته دولة مالي بالسودان الغربي، مستفيدة من سيطرتها على طرق التجارة الصحراوية المؤدية شمالا عبر فزان صوب الساحل المتوسطي وشرقا صوب النيل. هذا وقد عرفت المملكة نظاما سياسيا إمبراطوريا توالى فيه العديد من السلاطين من أشهرهم السلطان ماي إدريس ألوما الذي حكم البلاد ما بين 1571م و1603م وقد أصبحت المملكة في عهده محط صراع حاد بين الأتراك العثمانيين والدولة السعدية.

   فالصراع السعدي العثماني لم يقتصر على المجال المتوسطي فحسب بل شمل أيضا المجال الصحراوي، وقد شكلت مملكة الكانم- بورنو جزءا من هذا الصراع، تشهد عليه المراسلات التي تمت بين هذه المملكة الجنوب– صحراوية والأطراف المتصارعة والتي تدخل في إطار الواقعية والعقلانية التي تعاملت بها إذ تحالفت في البداية مع الإمبراطورية العثمانية وبعد فشلها اتجهت بعد ذلك نحو السعديين بمراكش[xxviii].

  ويمكن معالجة العلاقات السياسية للمملكة السودانية والدولة السعدية من خلال زاويتين رئيسيتين: الأولى وترتبط بالسياسة التوسعية لإمبراطورية الصنغاي على الدويلات المجاورة بأرض الهوسا مما أدى إلى اصطدام مباشر مع دولة البورنو التي كانت تعيش أزهى فترات حياتها مع ماي إدريس ألوما إذ وقف سدا منيعا في وجه التوسع الصنغاني بهذه الأراضي. ونظرا لعدم توازن القوة بين الطرفين لجأ ماي إدريس في البداية إلى الدولة العثمانية لطلب العون والمساعدة العسكرية رغم خلافاتهما حول منطقة فزان التي سيطر عليها الأتراك سنة 1576-1577م[xxix]، والضغوط السياسية المرتبطة بتقديم الطاعة والولاء للسلاطين العثمانيين مما آل هذه المساعي للفشل ليتجه صوب الدولة السعدية باعتبارها طرفا غير مباشر في الصراع، فحل المنصور محل مراد الثالث في إطار لعبة البورنو السياسية.

  والزاوية الثانية كرد للسعديين على التحركات العثمانية بالجنوب الصحراوي بخصوص منطقة توات ما بين 1578م و1579م وسنتي 1581م و1582م، والتي انتهت باحتلال المنطقة وتكورارين وواحة فكيك سنة 1583م.

  ففي ظل الصراع العثماني السعدي بالتخوم الصحراوية تلقى المنصور سفارة من ملك بورنو إدريس ماي ألوما سنة 1582م، كانت بمثابة تعويض عن الخسارة السعدية في الصحراء الشرقية وتغيير الشريك السياسي لمملكة بورنو، وقد كان الهدف من هذه السفارة هو الحصول على العساكر والأجناد والبنادق ومدافع النار لمجاهدة الكفار في الجنوب، رغم أن بعض الدراسات تؤكد أن السبب الحقيقي يكمن في التزود بالمدد العسكري لاستعادة الجزء البورنوي بفزان الخاضع للسيطرة العثمانية.

   فبعدما كانت موافقة السعدي على مطالب ماي إدريس وهي موافقة مشروطة بالاعتراف بالخلافة والتبعية للمنصور السعدي، وأن عملية الجهاد التي نادى بها ملك بورنو لا تصبح واجبة عليه وعملا يجزى عليه من طرف الإله، إلا إذا كان يمتلك توكيلا يخوله له واحد من الجماعة المسلمة والمجسد في شخص أمير المؤمنين (المنصور)[xxx]. ومن ثم كانت فرصة مناسبة لأحمد المنصور للحصول على مساعيه الرامية إلى تطبيق نظرية الخلافة التي كانت قناة من قنوات نشر النفوذ السعدي جنوب الصحراء ومنافسة النفوذ العثماني بالأساس[xxxi].

2- حيثيات الأزمة السعدية الصنغانية:

  لكن لمن ترجع ملكية هذا المعدن، للمغرب أم للسودان الغربي؟

  استطاعت مملكة الكانم-بورنو الحفاظ على علاقات يطبعها السلم والهدوء مع القوى السياسية المتوسطية في حين حسمت إمبراطورية السنغاي الصراع باللجوء إلى الحرب خاصة مع الدولة السعدية مما يدفعنا إلى التساؤل حول أسباب ودوافع هذا الصراع في المنطقة والنتائج المترتبة عنه. وبغض النظر عن الأسباب المباشرة والواضحة التي حصرها المهتمون في الدوافع المادية والدينية والاستراتيجية، لعبت ملاحة تغازا دورا محوريا في أطوار الصراع السعدي السنغاني. فمنطقة تغازا من المناطق الهامة لإنتاج مادة الملح وهي سلعة مطلوبة في أسواق السودان الغربي وأهميتها تعادل أهمية الذهب.

  تقع منطقة تغازا في الشمال اتجاه مراكش وفي الجنوب اتجاه تمبوكتو(حسب ابن بطوطة المسافة الفاصلة بين تغازا ومراكش هي نفس المسافة الفاصلة تقريبا بينها وبين تمبوكتو) مما جعلها محط نزاع بين الدولتين السعدية والصنغانية.

  وإذا رجعنا إلى تاريخ الملاحة نجدها كانت تحت تصرف الإمبراطورية المالية رغم أن موقعها الجغرافي يجعلها لا ترتبط بأية سيادة خلال منتصف ق14م، لكن مع منتصف ق16م والمتغيرات الدولية التي عرفها الحوض الغربي للمتوسط تغيرت نظرة الدول الحاكمة بالمغرب اتجاه ملاحة تغازا. فبعد الحصار الذي ضربه الأتراك من الناحية الشرقية والإسبان من الناحية الشمالية اتجه السعديون صوب الجنوب للمطالبة بعائدات هذه الملاحة لتطرح أمامهم مشكلة حق الاستغلال.

   فالبنسبة للصنغاي حصلت على ملاحة تغازا عن طريق الغزو وبذلك تعود ملكيتها لمستغليها حسب التقليد الغربي الإفريقي، وعائداتها للإمبراطور عن طريق جباية الضرائب، أما بالنسبة للسعديين فقد اتخذت هذه العائدات أبعادا سياسية واقتصادية، ولتحقيق ذلك اعتمدوا على منطلق شرعي يخول استغلال المعادن وعائداتها للإمام أمير المؤمنين باعتباره خليفة لله في الأرض وأن المعادن هي عطاء وبدل رباني، وقد مرت هذه المطالبة والسيطرة على ملاحة تغازا بمرحلتين:

  المرحلة الأولى تمت في عهد كل من أحمد الأعرج وأخيه محمد الشيخ وكانت البداية سنة 1539م حينما طالب أحمد الأعرج من الأسكيا تسليمه معدن تغازا غير أن رده كان عنيفا من خلال جوابه ومن خلال إرسال جماعة من الطوارق (التوارك) الذين قاموا بالإغارة على جهات درعة وخربوا سوق بني صبيح[xxxii]. تعلق إحدى الدراسات على هذا الحدث الجريء كونه جاء نتيجة أحداث داخلية خطيرة عاشتها إمبراطورية الصنغاي متمثلة في الجفاف والأوبئة والصراعات بين الأمراء حول السلطة[xxxiii]، فرد أحمد الأعرج بحملة تأديبية انتقامية فاشلة على منطقة وادان.

  أما في عهد محمد الشيخ السعدي فقد تعرضت المنطقة لضربتين متتاليتين، الأولى تم تحديدها ما بين سنة 1543م و 1544م والتي جاءت بعد الانتصار على البرتغال سنة 1541م وتنحية أحمد الأعرج المنافس الأول على السلطة سنة 1542م لحاجته للمداخيل لإتمام فتح المغرب الشمالي، والضربة الثانية كانت خلال 1556م و 1557م حينما قام محمد الشيخ بالهجوم على تغازا مما أسفر عن مقتل متولى أسكيا داوود خليفة إسحاق الأول وتدشين منجم آخر للملح بتغازا الغزلان[xxxiv]، وانتهت بذلك المرحلة الأولى من الصراع حول معدن تغازا دون سيطرة السعديين على الملاحة.

   الجولة الثانية بدأت بعد سنة 1557م مع أحمد المنصور الذي بدأ طورا آخر من السياسة الصحراوية للسعديين والتي زاوج فيها السلطان بين سياسة اللين والعنف. تمت هذه المرحلة باحتلال توات وكورارة سنة 1581م نظرا لموقعهما الاستراتيجي في التجارة الصحراوية صوب الشرق من جهة ومن جهة ثانية لقطع الطريق أمام الأتراك العثمانيين للتوسع في اتجاه الجنوب. وتظهر سياسة اللين للمنصور من خلال الطلب والهدية التي أرسلها لأسكيا داوود حسب رواية السعدي في تاريخه: «عندما اعتلى مولاي أحمد العرش طلب من الأسكيا داوود أن يترك له استغلال منجم تغازا طيلة سنة كاملة وفي نفس الوقت بعث الأمير المغربي مبلغ عشرة آلاف قطعة ذهبية على شكل هدية… وعندما علم مولاي أحمد بوفاة الأسكيا داوود لبس الحداد وعقد جلسة تلقى خلالها العزاء من كل موظفي الجيش»[xxxv]، كما تظهر من خلال سفارة 1584م التي كانت بهدف جمع المعلومات الكافية حول بلاد التكرور تمهيدا للسيطرة الكاملة[xxxvi]. في حين اعتمد سياسة التهديد حينما أرسل جيشا نحو منطقة ودان في اتجاه تومبكتو رغم أن هذه المحاولة انتهت بالفشل غير أنها لم تثبط من عزيمة المنصور في السيطرة على تغازا والتي تأتت له سنة 1585م. لكن هذه السيطرة السعدية  لم تكن كاملة، بدليل الرسالة التي بعث بها المنصور للأسكيا إسحاق الثاني مضمونها طلب استغلال ملاحة تغازا، غير أن رده على الرسالة كان عنيفا ودالا من خلال بعثه “لرماح وسلاسل حديدية”. وبذلك يكون الإمبراطور السنغاني لمح إلى حسم الصراع عسكريا حول الملاحة مما يوحي بأن الصنغاي ظلت تمارس نوعا من التشويش والضغط على الملاحة عن طريق المقاطعة أو التخريب للتضييق على المصالح المغربية من جهة، وتقدير إسحاق الثاني لسياسة خارجية كانت تهدف حماية الأراضي الصنغانية من كل تدخل خارجي من جهة ثانية[xxxvii].

  ما يهمنا من سرد هذه المحاولات التوسعية السعدية في اتجاه الجنوب هو ردود أفعال باقي دول المنطقة على المستوى السياسي خاصة دولة الصنغاي.؟

  هيأ السعديون الجو السياسي للسيطرة على الصنغاي بالحفاظ على علاقات هادئة وسلمية مع الدولة العثمانية[xxxviii] وعن طريق الحصول على بيعة إدريس ألوما (1582-1583م) ليتم بذلك نوع من العزل السياسي للصنغاي، لكن تضارب مصالح الدول بالمنطقة وتوثر العلاقات بين الأطراف المتصارعة دفعت بالدول المتنافرة إلى التقارب أحيانا والتنافر أحيانا أخرى. ففي الوقت الذي كانت فيه العلاقات بين الصنغاي وكانم بورنو ومنطقة كبي الحدودية جد متوترة نتيجة التوسعات الصنغانية (اتجاه هذه المناطق) على حساب هذه الدول وحدت المصلحة بينهم فخلقت جبهة موحدة لمواجهة التوسع السعدي في منطقة الغرب الإفريقي. فإمارة كانم-بورنو بسبب عدم حصولها على المساعدات العسكرية من السعديين اضطرت إلى التحالف مع الصنغاي ضد المغرب قبل سنة 1591م، وفي الوقت نفسه أبدى ملك كبي داوود نوعا من التعاطف مع نوح إمبراطور الصنغاي مما أثار حفيظة السلطان أحمد المنصور الذي أرسل رسالة تهديد بتدخل عسكري في المنطقة. وفي إطار الصراع السياسي والعسكري مع الدولة السعدية لا يستبعد بعض المؤرخين لجوء دولة الصنغاي إلى عقد تحالف مع الإمبراطورية العثمانية على الرغم من انعدام الشواهد التاريخية الدالة على هذا التحالف الإفريقي العثماني، مما يدفعنا إلى أخذ الحيطة والحذر من هذا المعطى التاريخي[xxxix]. على العموم لقد حلت المصالح العليا للدول محل المنطق مما أدى إلى عقد تحالفات غريبة وغير متوقعة، كل هذا لم يمنع أحمد المنصور من تحقيق رغبة الخلافة الإسلامية والسيطرة على الصنغاي سنة 1591م خلال معركة “تنديبي” القصيرة مما يفتح المجال لتساؤلات عديدة منها:

  هل فعلا كان هم السعديين الأساسي وخاصة أحمد المنصور الربح المادي فقط أم أن الأمر كان أكبر من ذلك؟ هل التدخل السعدي هو الذي أنهى حكم سلالة الأساكي أم أن الأمر كان أعمق من ذلك؟ وأخيرا ما النتائج المختلفة التي ترتبت عن ذلك؟

  كان الربح المادي حاضرا بقوة في استراتيجية التوسع السعدي في الجنوب، يظهر ذلك بجلاء من خلال تصريحات المنصور والتوسعات التي تمت في الصحراء والسيطرة على أهم (طرق المواصلات الرابطة) المراكز الاستراتيجية في الصحراء الغربية الممتدة بين سوس ودرعة شمالا ونهر السنغال جنوبا، لأن المغرب خلال هذه الفترة لم يعد الشريك القوي للصنغاي التي أصبحت تتعامل مع الشرق من جهة، ومن جهة ثانية سيطرة البرتغال على التجارة الصحراوية الساحلية من خلال انقضاضها على منطقة أركين جنوب الرأس الأبيض[xl]، مما حرم المغرب من مداخيل التجارة الصحراوية ودور الوسيط التجاري بين أوربا وإفريقيا جنوب الصحراء. وإذا دققنا جيدا في خطابات المنصور نجد فكرة الخلافة كانت مسيطرة على فكره ومخيلته، وضرورة الحصول على مداخيل وعائدات الملح وإعادة الإشعاع الاقتصادي للمغرب كان لخدمة وتحقيق هذه الفكرة التي كانت بهدف الوقوف في وجه الأجنبي، الدولة العثمانية في الشرق وإسبانيا في الشمال والبرتغال بالجنوب التي أصبحت تحاصر المغرب سياسيا واقتصاديا.

   وبخصوص التدخل العسكري السعدي ودوره في القضاء على حكم أسرة الأساكي تشير المصادر التاريخية المحلية أن الاحتلال العسكري كان بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس، إذ أن دولة الصنغاي كانت تعاني أزمة سياسية واقتصادية وتفسخ أخلاقي كبير مما يدل على الانهيار السريع للدولة أمام أول تدخل لجيوش جودر. فبعد فترة حكم أسكيا داوود (1549-1582م) دخلت الدولة في صراعات سياسية حول السلطة بين الأبناء فكانت حسب الكعتي: «سبب فناء صنغي وفتح باب الشر بينهم وسبب فساد ملكهم وقطع سلك نظام دولتهم، إلى أن نزلت محلة أهل مراكش بهم»[xli]، ويذكر في موضع آخر «وهذه الفتنة هي أول خسارتهم وهلاكهم وفنائهم، قبل مجيء مولاي أحمد الذهبي، وهي سبب خراب بلد تندرم»[xlii].

  ويتحدث السعدي في تاريخه عن التفسخ الأخلاقي قائلا: «وبدلوا نعمة الله كفرا وما تركوا من معاصي الله تعالى إلا ارتكبوها جهرا، من شرب الخمور ونكحة الذكور. وأما الزنا فهو أكبر عملهم حتى رجع بينهم كأنه غير محظور، لا لهم فخر وزينة إلا بها، وحتى يفعلوها بعض أولاد سلاطينهم بأخواتهم»[xliii].

  أما اقتصاديا، فقد أثر الوضع السياسي بشكل عميق على الاقتصاد التقليدي لدولة صنغاي القائم على الزراعة والتجارة الصحراوية، كما كان للعوامل الخارجية دور لا يستهان به في إضعاف الدولة التي تراجعت مداخيلها وتدهورت بفعل حركة الكشوفات الجغرافية وفقدت بريقها القديم أيام دولتي غانا ومالي[xliv]، إضافة إلى تراجع ظاهرة الاسترقاق التي كانت مصدرا من مصادر الاقتصادي الصنغاني بفعل انتشار الإسلام بين العديد من القبائل السودانية.

ـــــــــــــــــــ

الهوامش:  

1- أحمد بن خالد الناصري، الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج5، دار الكتاب، البيضاء، 1954.

2- خليل الساحلي، المجلة التاريخية المغربية، ع2، 1974.

3- قدور بوزياني، البعد الحدود في علاقة المغرب بأتراك الجزائر(ق10-11ه/ق16-17م)، المغارب في العهد العثماني منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 41، 1995.

4- عبد الباسط المستعين، المدن والمراكز الحضرية بالسوس بين: 668ه-1269م و1081ه-1670م، كلية الاداب والعلوم الإنسانية سايس فاس،

سنة 2007-2008.    

5- عبد الرحيم بنحادة، مساهمة الأرشيف العثماني في كتابة تاريخ العلاقات المغربية العثمانية (ق16/ق19م)، المغارب في العهد العثماني، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة: ندوات ومناظرات رقم41، 1995 .  

6- عبد الحفيظ الطبايلي، العلاقات المغربية العثمانية خلال ق16م، د.د.ع.م، كلية الآداب، الرباط، 1989.

7- عز الدين عمر موسى، دراسات إسلامية غرب إفريقية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط2، 2003.

8- عبد الرحمن السعدي، تاريخ السودان، باريس، نشر هوداس، 1964 .

   9- عبد الهادي التازي، المغرب في خدمة التقارب الإفريقي العربي، دعوة الحق، ع260، أبريل-ماي، 1988.

10- عبد العزيز الفشتالي، مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفاء، دراسة وتحقيق عبد الكريم كريم، مطبوعات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرباط، 1972.

11- عبد الرحمن المودن، تساؤلات حول موقف العثمانيين من الغزو السعدي للسودان، المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء في بداية العصر الحديث.

12- محمد الصغير الأفراني، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، تقديم وتحقيق عبد اللطيف الشاذلي، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، الدار البيضاء، 1998. 

13- محمد بن تاويت، من زوايا التاريخ المغربي، مجلة تطوان، سنة 1960.

14- محمد حجي، حملة المنصور وهاجس الخلافة في المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء في بداية العصر الحديث، وقائع الندوة التي نظمها معهد الدراسات الإفريقية، 1992.

15- محمد البغدادي، الصحراء المغربية بين الماضي والحاضر والحلول المقترحة للنزاع الصحراوي، إيداع 2004.   

16- مؤلف مجهول، تاريخ سانتاكروز-أكادير، تحقيق بيير دو سينيفال، تعريب أحمد صابر، كلية الآداب- أكادير، 1994.

17- محمد رزوق، دراسات في تاريخ المغرب، الطبعة1، 1991.  

18- مؤلف مجهول، رسائل سعدية، الخزانة العامة، ك 278، الرباط.

19- محمود كعت، تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس، نشره هوداس، 1964.

20- Auguste Cour, Etablissement de la dynastie des chérifs au Maroc et leur rivalité avec les Turcs de la régence d’Alger (1509-1830), Ed. Leroux, Paris 1904.

21- Abdalla Laroui, L’histoire du Maghreb, Centre culturel Arabe, 2eme Ed, 2001.

22- M.Abitbol, Tombouktou et les Armats (1591-1833), thèse Doctorat 3ème cycle, Paris, 1974 -75.

23- Zakari Dramani issifou, L’Afrique noire dans les relations internationales au XVIe Siècle, analyse de la crise entre le Maroc et le Sonrhai, édition Karthala, Paris, 1982.


[i] – محمد الصغير الإفراني، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، تقديم وتحقيق عبد اللطيف الشاذلي، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، الدار البيضاء 1998، ص: 167.

[ii] – انظر نص الخطاب: خليل الساحلي، المجلة التاريخية المغربية، ع2، سنة 1974. عبد الرحيم بنحادة، مساهمة الأرشيف العثماني في كتابة تاريخ العلاقات المغربية العثمانية (ق16/ق19م)، المغارب في العهد العثماني ، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة: ندوات ومناظرات رقم41، 1995، ص:11-19.

– مؤلف مجهول، رسائل سعدية، الخزانة العامة، ك 278، الرباط، ص: 11-14.[iii]

[iv] – Auguste Cour, Etablissement de la dynastie des chérifs au Maroc et leur rivalité avec les Turcs de la régence d’Alger (1509-1830), Ed. Leroux, Paris 1904, p:155.

– انظر كل من: أحمد بن خالد الناصري، الإستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، دار الكتاب، ج5، البيضاء 1954، ص: 27. [v]

 محمد الصغير الإفراني، نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي، تقديم وتحقيق عبد اللطيف الشاذلي، مطبعة النجاح الجديدة، ط1، الدارالبيضاء، 1998، ص: 79.    

– تم ذلك في عهد عبد الله الغالب (1557م-1574م)، انظر بخصوص هذا الموضوع، محمد بن تاويت، من زوايا التاريخ المغربي، مجلة تطوان، سنة[vi]

  1960. 

– عبد الباسط المستعين، المدن والمراكز الحضرية بالسوس بين: 668ه-1269م و1081ه-1670م، كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس [vii]

   سنة 2007-2008، ص: 32.

– عبد الباسط المستعين، ن.م.س. ص: 33.[viii]

9– نشير إلى أن أحمد المنصور تلقى العديد من الهدايا من الدول الأجنبية بمناسبة معركة وادي المخازن ومن بينهم العثمانيون التي لم ترق هديتهم ولم تلق بمستوى السلطان، فلم يلق الوفد العناية اللائقة من طرف أحمد المنصور فقرر السلطان العثماني تجريد حملة تأديبية ضد المنصور الذي عجل بإرسال هدايا ثمينة للسلطان العثماني. أنظر، النزهة، ص: 151.                

[x] – يرجع ذلك إلى بداية الدولة السعدية، خاصة في عهد محمد الشيخ المهدي الذي راح ضحية هذا الاعتقاد هو وابنيه الحران وعبد القادر. أنظر: محمد حجي، حملة المنصور وهاجس الخلافة في المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء في بداية العصر الحديث، وقائع الندوة التي نظمها معهد الدراسات الإفريقية 1992، ص: 27-32.

[xi] – عبد الحفيظ الطبايلي، العلاقات المغربية العثمانية خلال ق16م، د.د.ع.م، كلية الآداب، الرباط 1989، ص: 158-160.

قدور بوزياني، البعد الحدودي في علاقة المغرب بأتراك الجزائر(ق10-11ه/ق16-17م)، المغارب في العهد العثماني، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، سلسلة ندوات ومناظرات رقم 41، 1995، ص: 25-32.     

[xii] – مؤلف مجهول، تاريخ سانتاكروز- أكادير، تحقيق بيير دو سينيفال، تعريب أحمد صابر، كلية الآداب، أكادير، 1994، ص.ص: 13-14.

– مؤلف مجهول، ن. م. س. ص: 15.[xiii]

– مؤلف مجهول، ن.م.س. ص.ص: 15- 85.[xiv]

 – عبد الكريم كريم، ن.م.س. ص:83-84.[xv]

[xvi] – Zakari Dramani issifou, L’Afrique noire dans les relations internationales au XVIe Siècle, analyse de la crise entre le Maroc et le Sonrhai, édition Karthala, Paris 1982, p: 78.

 – عبد الرحيم بنحادة، مساهمة الأرشيف العثماني، المغارب في العهد العثماني، ن.م.س. ص: 14.[xvii]

 – نفسه، ص: 15.[xviii]

    – مؤرخ مجهول، م س. ص: 39.[xix]

 – ن.م.س. ص: 41.[xx]

  – نقلا عن قدور بوزياني، ن.م.س. ص: 32. [xxi]

  – انظر الإفراني، ن.م.س. ص: 123. [xxii]

    – عبد الهادي التازي، المغرب في خدمة التقارب الإفريقي العربي، دعوة الحق، ع260، أبريل-ماي، 1988، ص: 139. [xxiii]

[xxiv] – Abdalla Laroui, L’histoire du Maghreb, Centre culturel Arabe, 2eme Ed, 2001, p: 235.

 – محمد رزوق، دراسات في تاريخ المغرب، الطبعة1، 1991، ص: 132.[xxv]

 – مؤرخ مجهول، م.س. ص: 85. محمد البغدادي، الصحراء المغربية بين الماضي والحاضر والحلول المقترحة للنزاع الصحراوي، إيداع 2004، ص:   [xxvi]

    126.

  – مجهول، ن.م.س. محمد البغدادي، ن.م.س. ص: 127.[xxvii]

 – عز الدين عمر موسى، دراسات غرب إفريقية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط2، 2003، ص: 83-84. [xxviii]

– Zakari Dramani Issifou, op, cit, p: 132.

[xxix] – Zakari Dramani, op, cit, p: 129.

[xxx] – Zakari Dramani, op, cit, p:134. M.Abitbol, Tombouktou et les Armats (1591-1833), thèse Doctorat 3ème cycle, paris 1974 -75, p:64.

 – عبد الرحمن المودن، تساؤلات حول موقف العثمانيين من الغزو السعدي للسودان، المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء في بداية العصر الحديث، [xxxi] م.س. ص:15. عبد الرحيم بنحادة، مساهمة الأرشيف العثماني، ن.م.س.ص: 16.             

– عبد الرحمن السعدي، تاريخ السودان، باريس، نشر هوداس، 1964، ص: 199. انظر تعليق أحمد موسى، ن.م.س.ص: 85.  [xxxii]

[xxxiii] – Zakari Dramani Issifou, op, cit, p: 144.

[xxxiv] – G.Pianel, “Les préliminaires de la conquête du Soudan par Moulay Ahmed al-Mansur (d’après trois documents inédits)”, in Hespéris 1er, 2ème trimestre, 1953, pp.185 à 195, cité par Zakari Dramani Issifou, op, cit, p:107.

[xxxv] – Zakari Dramani Issifou, op, cit, p: 92.

 – السعدي، ن.م.س. ص: 120. عبد العزيز الفشتالي، ن.م.س. ص: 120-121. [xxxvi]

[xxxvii] – Zakari issifou, op, cit, p: 109.

 – عبد الرحمن المودن، ن.م.س. ص:17.[xxxviii]

[xxxix]– Zakari Dramani Issifou, op, cit, p: 135.

 – عبد الهادي التازي، المغرب في خدمة التقارب الإفريقي العربي، ن.م.س، ص: 147-148. [xl]

 – محمود كعت، تاريخ الفتاش في أخبار البلدان والجيوش وأكابر الناس، نشره هوداس، 1964، ص: 126.[xli]

      – ن.م.س. ص: 143.[xlii]

 – السعدي، ن.م.س. ص: 144.  كعت، ن.م.س. ص: 152.[xliii]

 – عز الدين عمر موسى، دراسات إسلامية غرب إفريقية، ن. م.س. ص: 193.[xliv]

أكاديمي وباحث في تاريخ العلاقات المغربية الإفريقية.

مواد ذات صلة