تجدد الصراع في إقليم تيغراي الإثيوبي وتداعياته

تعود بوادر الأزمة الحالية إلى طبيعة الممارسات السياسية في إثيوبيا وخصائص الأحزاب وعلاقة الأقاليم مع بعضها البعض في السياق الفيدرالي الإثيوبي. وقبل مجيئ “أبي أحمد” إلى السلطة قامت حكومة “الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية”, التحالف الذي حكم إثيوبيا بين عامي 1991 و2018, بمنع أغلب الأحزاب الإثيوبية المعارصة من ممارسة نشاطها السياسي في الداخل الإثيوبي بموجب قوانين وقرارات رسمية صدرت عقب أحداث انتخابات عام 2005 التي أدت إلى أحداث دامية وتظاهرات متعددة في مدن البلاد.

وفي عام 2015 انتقل المشهد السياسي والأمني إلى مرحلة جديدة إبان مظاهرات بعض الشباب في إقليم أوروميا الذي يحيط  بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وساهمت عوامل عديدة في تصعيد هذه التظاهرات، منها  قضية الأراضي في إقليم أوروميا وتوسيع الحدود الإدراية للعاصمة الإثيوبية أديس أبابا وعدم توفر فرص العمل للشباب، وغيرها من القضايا.

وفي 2 أبريل من عام 2018 وصل “أبي أحمد” إلى سدة الحكم كرئيس الوزراء الرابع لإثيوبيا, وأطلق مباردات المصالحة السياسية دعا من خلالها كافة الأحزاب السياسية للعودة إلى البلاد والمشاركة في الأنشطة السياسية وعملية إعادة بناء إثيوبيا. وقد عادت القيادات السياسية والتنظيمية لعدة أحزاب إلي البلاد، بما في ذلك الأحزاب والحركات ذات الثقل التاريخي والقومي والسياسي, مثل “جبهة تحرير أورومو” و حركة “قنبوت سبات” و “جبهة تحرير أوغادين” و “حركة الثوار الإثيوبيين”  وغيرها من الأحزاب التي لم تكن تنشط لقرابة عقدين من الزمن في المشهد السياسي الداخلي بسبب بعض القرارات التي صدرت في حقها في تلك الفترة.

الخلاف على تنظيم الانتخابات وحرب تيغراي

اشترك ليصلك جديد الأفارقة

لقد سيطر على المشهد السياسي الإثيوبي لأكثر من عقدين من الزمن تحالفٌ من أربعة أحزاب قومية شملت “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” التي خاضت حربًا في السبعينيات والثمانينيات لردع إدارة المجلس العسكري. وقد نجحت العملية وأصبحت “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” العضو القيادي على التحالف الذي تولى السلطة من عام 1991 حتى عام 2018.

وقد تمتعت أقاليم إثيوبيا بحكم ذاتي تحت “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي”، وظهرت ضدها انتقادات بقمع المعارضة السياسية وتهميش القوميات الأخرى. وفي عام 2019 حلّ رئيس الوزراء “أبي أحمد” التحالف الحاكم وأسس حزبا سياسيا جديدا باسم “حزب الرخاء الجديد”. ولكن “الجبهة الشعبية لتحرير تغراي” رفضت الانضمام إلى الحزب الجديد بسبب مخاوف قادة الجبهة من أن النظام الفيدرالي الذي يضمن استقلالية كبيرة للولايات المحددة عرقيا مثل تيغراي – كان تحت التهديد في حكم “أبي”.

وتفاقمت التوترات بين حكومة “آبي أحمد” وقادة “الجبهة الشعبية لتحرير تغراي” في سبتمبر 2020 عندما تحدى قادة جبهة تحرير تيغراي قرار الحكومة الفدرالية بتأجيل الانتخابات بسبب جائحة كوفيد-19, ومضت الجبهة بتنظيم الانتخابات البرلمانية في إقليمها تغراي. وتلا ذلك تبادل الاتهامات: فجبهة تحرير تيغراي ترى أن حكومة “آبي” غير شرعية لأنها لم يتم اختبارها في انتخابات وطنية, وحكومة “آبي أحمد” تصف الانتخابات التي أجرتها تيغراي على أنها غير قانونية وشرعية. وتبع ذلك قطع المشرعين البرلمانيين التمويل عن قيادة “الجبهة الشعبية لتحرير تغراي” مما أدى إلى التصعيد المتبادل بين حكومة تيغراي الإقليمية والحكومة الفيدرالية.

وفي 4 نوفمبر 2020 أمر “أبي أحمد” بعلمية عسكرية على “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” نتيجة الهجوم الذي وقع على قاعدة للجيش الفيدرالي خارج ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي ومحاولة سرقة أسلحتها الجيش, وهي عملية اتُّهِمت “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” بالوقوف وراءها. وتبع قرار العملية العسكرية إرسال قوات وطنية ومقاتلين من منطقة أمهرة المجاورة وجنود من إريتريا لمقاتلة مقاتلي “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي”.

جدير بالذكر أن “أبي أحمد” أعلن نجاح العملية العسكرية بعد ثلاثة أسابيع فقط عندما استولت القوات الحكومية على ميكيلي، وعيّنت إدارة مؤقتة موالية لأديس أبابا. وفي نوفمبر 2021 تحالفت 9 جبهات في العاصمة الأمريكية واشنطن. وقد تحول الوضع إلى أزمة أكثر تعقيدا حيث لا يزال القتال جارٍ رغم مرور ما يقرب من عامين من بدئها ورغم المحاولات الفاشلة عبر ضغوطات إقليمية ودولية علي كافة الأطراف المتحاربة لفرض السلام.

التدخل الإرتري وتجدد الصراع

لقد طالما كان هناك عداء بين تيغراي والحكومة الإريترية, حيث دارت حربٌ بين إثيوبيا وإريتريا من عام 1998 حتى عام 2000 نتيجة الصراع على الأراضي الواقعة على طول حدودهما المشتركة. وفي عام 2018 أبدت “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” استياءها من تقرّب رئيس الوزراء الإثيوبي “أبي أحمد” إلى الرئيس الإريتري “أسياس أفورقي” وصداقته معه. وفي العام نفسه (2018) وقّع “أبي” معاهدة سلام مع إريتريا منهية النزاع بين البلدين, وهي خطوة منحت “أبي” جائزة نوبل للسلام بعد عام.

وقد أكّدت التقارير أن إريتريا منذ بدء الحرب في نوفمبر 2020 ترسل قوات لدعم حكومة “أبي” في تيغراي, وهو إجراء أدى إلى إطالة أمد الصراع. واعترفت إريتريا بـتورطها في الصراع مؤخرا, حيث أبلغت في أبريل 2021 مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أنها وافقت على بدء سحب قواتها من إقليم تيغراي الإثيوبية.

ويبدو أن جانبي الصراع يقبلون فكرة الهدنة فقط عندما تكون التوازنات لصالح أحدهما دون الآخر. وقد أعلنت الحكومة الإثيوبية في يونيو 2021 أنها أوقفت إطلاق النار، ولكن “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” رفضت الهدنة وامتد القتال إلى منطقتي أمهرة وعفر المجاورتين لتيغراي. وفي مارس 2022 أعلنت الحكومة الإثيوبية “هدنة إنسانية إلى أجل غير مسمى سارية فورا”، وذلك لتسريع إيصال المساعدات الطارئة إلى إقليم تيغراي التي يواجه مئات الآلاف من سكانها المجاعة. ومع ذلك استُؤنِف القتال بين الجانبين في 24 أغسطس 2022 أي بعد مرور خمسة أشهر من الهدنة الإنسانية.

وفي تحول جديد للأزمة؛ أعلن مقاتلو تيغراي في سبتمبر 2022 أنهم مستعدون للمشاركة في محادثات السلام الجدية التي يقودها الاتحاد الأفريقي, والالتزام بوقف فوري ومتفق عليه من الجانبين للأعمال العدائية من أجل خلق جو مواتٍ، وهي خطوة مهّدت الطريق أمام المفاوضات المحتملة مع الحكومة لإنهاء الأزمة, حيث كانت الجهود الدولية للتوسط في محادثات السلام بقيادة الرئيس النيجيري السابق “أولوسيغون أوباسانجو” (مبعوث الاتحاد الأفريقي للقرن الأفريقي) لم يحقق الكثير بسبب معارضة جبهة تحرير تيغراي دور “أولوسيغون أوباسانجو” بدعوى “قربه” من رئيس الوزراء الإثيوبي “أبي أحمد”.

تداعيات حرب تيغراي

هناك تداعيات كثيرة للحرب على إقليم تيغراي وإثيوبيا, كما أن لها تأثيرات على منطقة القرن الإفريقي. ويمكن إجمال هذه التداعيات في التالي:

أ- تداعيات إنسانية: تفاقمت أزمة النزوح والمجاعة والخسائر البشربة في شمال إثيوبيا بسبب الصراع. وفي ديسمبر من عام 2021 أعلنت الحكومة الإثيوبية عن السماح لمزيد من الرحلات الجوية بالهبوط في تيغراي, بينما بقيت الطرق مغلقة مما يعرض عشرات الآلاف من الأطفال المستضعفين لخطر الموت المباشر. وقد أفادت الأمم المتحدة في تقرير مارس 2022 بأن ما لا يقل عن 9.4 مليون شخص بحاجة إلى مساعدة عاجلة. وكشفت منظمات الإغاثة أيضا أن الحصار الذي فرضته الحكومة الفيدرالية على إقليم تيغراي من قبل شهر أغسطس يحدّ من وصول مساعدات الإغاثة, ما يعني أن أقل من 10 في المائة فقط من المساعدات المطلوبة تصل إلى المنطقة.

ومما يساهم في المعاناة في شمال إثيوبيا أن الصراع جارٍ في الوقت الذي تعاني فيه المنطقة تغير المناخ وارتفاع أسعار المواد الغذائية التي تفاقمت بسبب الحرب في أوكرانيا. وينعكس الوضع أيضا على 20 مليون شخص في منطقة القرن الأفريقي. بالإضافة إلى تقارير عن انتهاكات حقوق الإنسان واتهامات بحملة تطهير عرقي وطرد عشرات الآلاف من التيغرايين من ديارهم.

ب- تداعيات أمنية: فاقمت حرب تيغراي علاقات إثيوبيا مع جيرانها وأطراف دولية, حيث تثير تطورات الصراع مخاوف الدول الأفريقية المجاورة من انتشار العنف إليها ويصبح مصدرًا لعدم الاستقرار, خاصة بعدما أطلقت “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” صواريخ على مطارات في أسمرة (إريتريا) ومدن في أمهرة. ولا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تضغط على جانبي الصراع للجلوس على طاولة المفاوضات. بل واضطر الرئيس الأمريكي “جو بايدن” على قطع الامتيازات التجارية عن إثيوبيا وهدد قادتها بالعقوبات.

يُذكر أن رئيس الوزراء “آبي أحمد” يواجه تحديا آخر في إقليم أوروميا الأكثر اكتظاظًا بالسكان في إثيوبيا، حيث دخلت جماعة محلية باسم “جيش تحرير أورومو” في تحالف مع “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” بهدف الإطاحة بحكومته.

وإذا كان من غير المرجح أن تجد “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” دعمًا حقيقيا لأنشطها في معظم الدول الإقليمية؛ إلا أن انتهاء الحرب ووقف الأعمال العدائية من الجانبين سيجلب الثقة المطلوبة لمحادثات السلام حتى وإن كانت البيئة الأمنية في المنطقة ستظل متقلبة لسنوات قادمة لاكتمال بعض المحددات التي قد تجعل شمال إثيوبيا أرضًا خصبة لظهور وتجنيد الميليشيات العرقية الانفصالية أو المناهضة للحكومة.

ج- تداعيات سياسية واقتصادية: لا شك أن حرب تيغراي ناتجة عن معارك على الهيمنة والنفوذ السياسي، ولكنها أيضا تؤشر عن انقسام أيديولوجي عميق داخل إثيوبيا حول نظام الحكم, حيث “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” تقاتل من أجل الحفاظ على الوضع الراهن الذي يحدد الولايات الإقليمية على خطوط عرقية والدفاع عن ضرورة تمتّع هذه الولايات باستقلالية كبيرة, بينما يقاتل “آبي أحمد” من أجل اتحاد أكثر مركزية يقلّ فيه دور الإثنية.

وعلى ما سبق يمكن للصراع الحالي أن يعيد التركيز والاهتمام إلى مكانة كل ولاية وإقليم في الفيدرالية الاثيوبية، ومن المحتمل أيضا أن يستخدم “أبي أحمد” تفويضًا من الانتخابات القادمة لتحقيق هدفه المتثمل في تقييد سلطة الولاية الإقليمية وتبرير صراع حكومته مع “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي”. وقد ينتج عن هذا مزيد من العنف وعدم اليقين السياسي خلال السنوات القادمة نظرا لمركزية العرق والقومية الإقليمية في السياسة الإثيوبية وتكوين الأحزاب السياسية.

من جانب آخر, تتطلع حكومة “أبي أحمد” إلى الهزيمة العسكرية ضد “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي”, ولكن الهزيمة العسكرية وحدها لن تعالج جذور مثل هذه الأزمة ولن تمنع من حدوث صراعات أخرى مماثلة أو انجرار البلاد إلى المزيد من التفكّك. كما أن العمل العسكري ضد “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” والآثار الإنسانية المترتبة قد لطّخا سمعة الحكومة الحالية وأضرا بصورة “أبي أحمد” على المستوى الدولي كمصلح ومستحق لجائزة “نوبل” للسلام.

وقد أظهرت الأزمة الحالية أن تكرار الصراعات ستسبب في تدهور بيئات العمل كما هو الحال اليوم في إقليم تيغراي نتيجة قطع خطوط الإنترنت والهاتف وإغلاق طرق النقل. إضافة إلى أن الأزمة تؤثر سلبا على حكومة “أبي” التي كانت طرفا في الأزمة, وذلك لأن الحرب تؤدي إلى إبطاء وتعطيل الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقتها الحكومة من أجل تشجيع الاستثمار وتحرير قطاعات مثل الاتصالات والتمويل لجذب المستثمرين الإقليميين والدوليين ورأس المال الأجنبي.

وأخيرا, كان لتدخل إريتريا في الصراع تداعياته من حيث أنه يمثل محاولة من قبل الرئيس الإريتري “أسياس أفورقي” لإنهاء عزلة إريتريا الدولية وإعادة تأكيد مكانتها على المسرح الإقليمي بعد عقدين من العزلة الدبلوماسية النسبية. وقد تمكّن “أسياس أفورقي” أيضا, من خلال التورط في الحرب, من ممارسة نفوذه في الشؤون الداخلية لإثيوبيا والتطورات الإقليمية التي تهدد المنطقة بأكملها. وهناك من رأى أن التدخل الإريتري كان بمثابة انتقام “أسياس أفورقي” من “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” التي تفوقت على إريتريا عسكريًّا في حرب عامي 1998-2000 وتغلبت عليها دبلوماسيًّا في السنوات التي أعقبت الحرب.

كاتب وإعلامي - إثيوبيا

مدير الأفارقة للدراسات والاستشارات.
وباحث نيجيري مهتم بالتحولات الاجتماعية والسياسية والقضايا التعليمية التنموية في إفريقيا؛ حاصل على دكتوراه في الأصول الاجتماعية والقيادة التعليمية.

مواد ذات صلة